أخيراً استجابت الأسلاك لنداء الأخلاق.
قرّرت هيئة تنظيم قطاع الاتصالات أن تمارس دور المطوّع الرقمي — فوضعت قفلاً تقنياً على أبواب الرذيلة الإلكترونية.
وتنفّس المجتمع الصعداء.
وظنّ أن العفة الرقمية تُستعاد بضغطة زر!
لكن فرويد قالها قبل أن تُولد هيئة الاتصالات بقرن كامل:
المكبوت لا يموت.
يختبئ — ثم يعود بأشكال لا تتوقعها.
وما لا يعرفه أصحاب القرار أن كل قفل يضعونه —
يصنع خلفه شهوة جديدة لم تكن موجودة قبله!
هذا القرار ليس انتصاراً للقيم.
هو هروب جماعي إلى الأمام.
نحن مجتمع يقدّس الستر — حتى لو كان تحت الستر جثة مهترئة.
فلسفتنا ثابتة منذ قرون: ما لا تراه العين لا يوجع القلب.
والمشكلة أن العين ترى.
وأن القلب يوجع.
والعين التي اعتادت القبح في الشوارع، وتدني لغة الخطاب، وانهيار منظومة القدوة —
لن تطهّرها صفحة بيضاء مكتوب عليها: الموقع محجوب!
وحين تُغمض الدولة عينيها —
لا تُغمض عيون المواطن معها.
تتركه وحيداً في الظلام — بلا بصيرة ولا دليل.
طهارة السيرفرات لا تُطهّر الواقع!
الحجب الذي لا يبدأ من داخل الإنسان — مؤجَّل لا مُلغى.
تأجيل للرذيلة لا استئصال لها.
المجتمع الذي يحتاج شركة اتصالات كي تحرس أخلاقه —
يعيش غيبوبة قيمية خلف ستار من الورع المصطنع!
نستبدل الوازع الأخلاقي بالرقيب التقني.
ونقتل آخر ذرات المسؤولية الفردية.
ونتفاجأ حين يكبر أبناؤنا عاجزين عن الاختيار —
لأننا لم نمنحهم يوماً حق الاختيار.
المجتمع الذي لا يختار الفضيلة بإرادته — لا يملكها.
يستأجرها من الراوتر.
وكل إيجار ينتهي.
أفلاطون أراد دولة يحكمها الفلاسفة لأن الجمهور لا يعرف مصلحته.
فوكو قال إن السلطة لا تقمع فحسب — بل تُشكّل الجسد والرغبة والوعي.
وفرويد قال إن المكبوت لا يموت.
الدولة الأردنية لم تقرأ فرويد.
أو ربما قرأته — وأخافها!
فبدل أن تبني إنساناً يقول لا بملء إرادته —
بنت راوتراً يقول لا بدله.
والفرق بين الاثنين —
هو الفرق بين الفضيلة والقفص.
والقفص لا يُهذّب.
يُغضب!
حين تقول لطفل: لا تفتح هذا الباب —
الباب الذي لم يكن يلفت نظره صار أكثر أبواب البيت إثارة!
هذه ليست نظرية.
هذه فيزياء الرغبة البشرية.
في عصر الـ VPN —
الحجب الحكومي أشبه بمن يضع منخلاً أمام عاصفة رملية.
كل مراهق في عمّان يعرف كيف يتجاوز الحاجز الرقمي في خمس دقائق —
قبل أن يعرف كيف يملأ استمارة حكومية!
نحن لا نمنع الانحراف.
نحوّله إلى بطولة رقمية!
ومغامرة تقنية يمارسها المراهق لكسر هيبة السلطة.
العفة الرقمية التي يحرسها راوتر —
أضعف من أن تصمد أمام أول ثغرة تقنية.
والمسرحية الحقيقية أن الجميع يعرف.
الدولة تحجب علناً.
والمواطن يتجاوز سراً.
والدولة تعرف أنه يتجاوز.
والمواطن يعرف أن الدولة تعرف.
وكلاهما يؤدي دوره بإتقان في هذه المسرحية الصامتة.
الدولة تقول: حجبنا وبرّأنا ذمتنا.
والمواطن يقول: تجاوزنا في السر فلا عقاب.
كلانا يعرف أن الستارة موجودة.
وكلانا يتظاهر أنها جدار.
لكن خلف هذا الاتفاق الصامت —
يكبر جيل لا يُصارَح ولا يُصارح.
يتعلم أن الحقيقة تُدار ولا تُقال.
وأن السلطة تُتحايل عليها ولا تُحترم.
نكذب على أنفسنا حين نظن أن إغلاق المواقع سيُصلح ما أفسده الدهر —
في العلاقات الإنسانية المأزومة، وفي كبت الشباب الذي يطحن أحلامهم.
نهرب من مواجهة الفقر الذي يؤخر الزواج.
والبطالة التي تقتل الأمل.
لننتصر في معركة حجب الروابط!
نغلق النافذة في بيت تهدّمت جدرانه —
ونسمّي ذلك حماية مجتمعية!
الحجب مسكّن آلام لمجتمع يعاني من سرطان اجتماعي.
نغطّي البثرة بضمادة —
بينما الالتهاب يسري في الدم.
ونصفّق لأنفسنا!
الأخلاق التي تحرسها هيئة الاتصالات — هشّة.
لأن الفضيلة المحروسة من الخارج ليست فضيلة.
هي امتثال.
والامتثال يسقط عند أول ثغرة.
جميل أن نحمي أطفالنا من تلوث الشاشات.
لكن الأجمل أن نحميهم من فراغ العقول!
المجتمع القوي يبني جداراً عازلاً داخل عقول أبنائه —
لا داخل خوادم الإنترنت.
الطهارة الحقيقية تبدأ من كرامة العيش.
وحرية العقل.
ونظافة الواقع.
لا من شاشة صمّاء مكتوب عليها:
"عذراً، هذا الموقع غير متاح."
الراوتر لا يغسل الخطايا.
يؤجّلها.
وفرويد — الذي لم يقرأه أحد في غرف القرار —
كان يعرف ذلك منذ البداية.
المكبوت لا يموت.
يتراكم.
حتى يفيض.



