خبرني - مؤتمر صحفي دوري لوزارة الدفاع الأمريكية يتحول إلى منصة أعادت إحياء واحدة من أكثر القصص العسكرية غرابة في التاريخ الحديث.
وبحسب موقع «بيزنس إنسايدر»، فإن القصة تشمل استخدام الثدييات البحرية في العمليات العسكرية، في مشهد جمع بين الطرافة والجدية على نحو غير مألوف.
والشرارة جاءت من سؤال وُجّه إلى وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين حول تقارير استخباراتية تحدثت عن امتلاك إيران لما وُصف بـ"دلافين كاميكازي" قادرة على تنفيذ هجمات انتحارية ضد السفن الحربية.
السؤال، الذي بدا للوهلة الأولى أقرب إلى حبكة سينمائية خيالية، أثار ردوداً امتزجت فيها السخرية بالحذر.
فعلّق الجنرال كين ضاحكاً بأنه لم يسمع قط بمثل هذه الدلافين، أما الوزير هيغسيث، فقد اختار إجابة أكثر غموضاً حين قال إنه لا يستطيع تأكيد أو نفي امتلاك بلاده لمثل هذه القدرات، لكنه أكد في المقابل أن إيران لا تمتلكها.
لكن المفارقة اللافتة، بحسب الموقع، أن البرنامج الحقيقي والأكثر تطوراً في هذا المجال لا يوجد في إيران، بل لدى الولايات المتحدة نفسها.
فمنذ أواخر خمسينيات القرن الماضي، بدأت البحرية الأمريكية استكشاف الإمكانات العسكرية للدلافين قارورية الأنف، بعد أن اكتشف الباحثون قدراتها الاستثنائية في استخدام نظام تحديد الموقع بالصدى، أو السونار البيولوجي.
وهذه القدرة الطبيعية الفريدة مكّنت الدلافين من التفوق على كثير من الأنظمة الإلكترونية الحديثة في اكتشاف الأجسام المعدنية تحت الماء، والتمييز بينها حتى في البيئات شديدة التعقيد، حيث تنعدم الرؤية وتتعطل أجهزة الاستشعار التقليدية.
وهذا الاكتشاف دفع البحرية الأمريكية إلى إنشاء برنامج متخصص لتدريب الثدييات البحرية على تنفيذ مهام عسكرية دقيقة، شملت الكشف عن الألغام، وحماية السفن والموانئ، ورصد الغواصين المتسللين.
وخلال العقود التالية، تحولت هذه الكائنات الذكية إلى عنصر فاعل في عدد من العمليات الحقيقية.
فقد استُخدمت في حرب فيتنام لحماية منشآت بحرية حساسة، قبل أن تظهر مجدداً خلال الاستعدادات لغزو العراق عام 2003، حيث ساهمت في الكشف عن الألغام البحرية وتأمين الممرات المائية.
غير أن الجانب الأكثر إثارة للجدل في هذا البرنامج ظل دائماً محاطاً بالغموض: فهل اقتصر دور هذه الدلافين على الرصد والاستطلاع، أم تجاوز ذلك إلى مهام هجومية؟ هذا السؤال ظل يلاحق البحرية الأمريكية لعقود.
ففي تسعينيات القرن الماضي، ظهرت تقارير نقلت عن مدربين سابقين مزاعم تفيد بأن بعض الدلافين خضعت لتدريبات على مهاجمة غواصين أعداء باستخدام أدوات أو شحنات تثبت على مقدمة أجسادها.
وحينها، سارعت البحرية الأمريكية إلى النفي القاطع، مؤكدة أن الحيوانات لم تُدرّب على قتل البشر.
ومع ذلك، لم تتوقف الروايات المثيرة، ففي مذكراته، تحدث مستكشف الأعماق الشهير روبرت بالارد عن عرض تلقاه خلال حرب فيتنام للمشاركة في برنامج لتدريب دلافين على تنفيذ هجمات ضد غواصين، وأكد أنه رفض ذلك لأسباب أخلاقية.
كما أشار بعض عناصر العمليات الخاصة الأمريكية في شهادات لاحقة إلى أن التدريبات العسكرية تضمنت محاكاة لمواجهات مع دلافين هجومية، في إطار الاستعداد لسيناريوهات غير تقليدية في ساحات القتال البحرية.
ورغم التطور الهائل في تقنيات الروبوتات البحرية والمركبات غير المأهولة، فإن البحرية الأمريكية لم تتخل عن برنامجها الخاص بالثدييات البحرية، بحسب المصدر نفسه.
ففي عام 2022، درست المؤسسة العسكرية الأمريكية إمكانية تقليص البرنامج لصالح الأنظمة الذكية الحديثة، إلا أن التقييمات العملياتية أظهرت أن التكنولوجيا الحالية لا تزال عاجزة عن محاكاة الكفاءة البيولوجية للدلافين، خصوصاً في البيئات المعقدة التي تتطلب استجابة حسية فائقة.
واليوم، يواصل البرنامج عمله تحت إشراف مركز الحرب المعلوماتية البحرية في المحيط الهادئ، مع تأكيد رسمي أن مهامه تقتصر على الكشف والرصد والاعتراض غير القتالي، لكن الطبيعة السرية المحيطة به، وتاريخ الروايات المتضاربة بشأنه، تبقيه واحداً من أكثر البرامج العسكرية غموضاً في العالم.



