في كل مرة نسمع فيها عن شاب أنهى حياته، أو طالبة ألقت بنفسها من مكان مرتفع، أو رجل اختار أن يغادر بصمت، نتعامل مع الخبر غالبًا كحادثة فردية عابرة، ثم ننتقل بسرعة إلى الخبر التالي، لكن الحقيقة المؤلمة أن تكرار هذه الحوادث يعني أننا لم نعد أمام حالات فردية، بل أمام مؤشر اجتماعي ونفسي خطير يستحق التوقف العميق.
الأرقام الأخيرة في الأردن تشير إلى تسجيل 166 حالة انتحار خلال عام 2024، مقارنة بـ160 حالة في عام 2023، مع تركيز واضح للذكور بواقع 135 حالة مقابل 31 حالة للإناث، كما سُجلت 16 حالة لأشخاص دون سن 18 عامًأ
لكن السؤال الحقيقي ليس كم عدد من انتحروا، بل كم شخصًا يعيش اليوم على حافة الانهيار النفسي دون أن يراه أحد؟ المقلق في الظاهرة ليس فقط ارتفاع الأرقام، بل طبيعة المجتمع الحالي الذي بات يدفع الإنسان تدريجيًا نحو العزلة النفسية، فالشاب اليوم يحمل فوق كتفيه ضغط العمل، والبطالة، وارتفاع تكاليف الحياة، والخوف من المستقبل، وصعوبة الزواج، والمقارنة المستمرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والمرأة بدورها تواجه ضغوطًا هائلة بين العمل والأسرة والصورة المثالية التي يُطلب منها أن تعيشها يوميًا.
أما الأخطر، فهو أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يجدون مساحة آمنة للكلام، الجميع يتحدث او يرغب في الحديث، لكن قليلين من يُصغون فعلًا، في مجتمعاتنا العربية، ما زال المرض النفسي يُعامل أحيانًا كضعف، والاكتئاب كـ”دلع”، واللجوء إلى طبيب نفسي كوصمة عار، لهذا ينهار البعض بصمت طويل قبل أن يصلوا إلى لحظة الانفجار الأخيرة، وتشير تقديرات مختصين إلى أن نسبة كبيرة ممن يقدمون على الانتحار تعرضوا لاضطرابات نفسية أو اكتئابًا سابقًا.
ولعل ما يفسر ارتفاع النسبة بين الرجال تحديدًا، أن الرجل في مجتمعاتنا يُربّى غالبًا على فكرة أن عليه أن يكون قويًا دائمًا، ولا يبكي، ولا يشتكي، ولا ينهار ولا يعبر، فيتحول ألمه إلى صمت، وصمته إلى عزلة، وعزلته أحيانًا إلى كارثة.
الانتحار لا يبدأ من لحظة الموت، بل يبدأ من تراكم طويل للشعور بعدم القيمة، والوحدة، والإنهاك النفسي، وفقدان المعنى، لهذا فإن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط عبر البيانات والإحصاءات، بل بإعادة بناء مفهوم الدعم النفسي داخل الأسرة والمدرسة والجامعة والعمل، نحتاج إلى بيئة اجتماعية واسرية تسمح للإنسان أن يقر ويعترف ويعبر عنه تعبه، دون خوف من السخرية أو الأحكام.
نحتاج إلى آباء يسمعون أبناءهم، لا فقط يراقبون علاماتهم المدرسية.
وإلى مدارس تكتشف الألم النفسي قبل أن يتحول إلى مأساة.
وإلى إعلام يتعامل مع الصحة النفسية كقضية مجتمعية حقيقية وليس ترفا.
وإلى مجتمع يفهم أن الإنسان قد يبتسم في الخارج، ويتقن التمثيل، بينما ينهار بالكامل من الداخل.
في النهاية، أخطر ما قد يعيشه الإنسان ليس الفقر، ولا الفشل، ولا حتى الوحدة، بل أن يشعر أن غيابه لن يلاحظه أحد.



