لم يعد الإعلام الرقمي مجرد نافذة نطل منها على العالم، بل أصبح قوة خفية تعيد تشكيل هذا العالم أمامنا. الأخطر في هذه القوة ليس فيما تعرضه، بل فيما تُخفيه. فنحن لا نرى الإنترنت كما هو، بل كما تُقرر الخوارزميات أن نراه.
في منصات مثل TikTok وInstagram وYouTube، لا شيء يُعرض عشوائياً ، ان كل فيديو، وكل منشور، وكل خبر يمر عبر أنظمة دقيقة تراقب سلوكنا: ماذا نشاهد؟ ماذا نتجاهل؟ وماذا نكرر؟ الهدف الظاهر هو “تحسين التجربة”، لكن النتيجة أعمق: في بناء واقع رقمي شخصي، مغلق، ومفصول عن الواقع العام.
مع الوقت، يبدأ المستخدم بالعيش داخل دائرة مريحة من المحتوى المتشابه، حتى يظن أن هذا هو العالم كله. هنا تتشكل خطورة “اللامرئي”: ما يتم استبعاده لا يُلاحظ، ومع ذلك هو الذي يحدد حدود ما نراه ونفكر فيه.
الفيلسوف "ميشيل فوكو" أشار إلى أن السلطة لا تعمل فقط عبر المنع، بل عبر التحكم في ما يمكن قوله وظهوره. في العالم الرقمي، هذه السلطة لم تعد بشرية مباشرة، بل أصبحت خوارزمية: غير مرئية، لكنها فعالة في رسم حدود الإدراك.
المشكلة لا تتوقف عند المعرفة، بل تمتد إلى الحرية نفسها. فالمستخدم يعتقد أنه يختار بحرية، بينما هو في الحقيقة يتحرك داخل مساحة تم تصميمها مسبقاً . الخوارزمية لا تجبره، لكنها تختار له ما يمكن أن يراه أصلاً .
ومع تكرار هذا النمط، يتشكل وهم خطير: أن ما يظهر على الشاشة هو تمثيل دقيق للعالم. لكن في الواقع، ما نراه هو نسخة مُفلترة، تعيد إنتاج نفسها باستمرار وفق منطق التفاعل والانتباه.
هنا تقترب الصورة من طرح "جان بودريار "حول “المحاكاة”، حيث يصبح التمثيل أكثر حضوراً من الواقع نفسه، حتى يختفي الفرق بينهما تقريباً. فالعالم الرقمي لا يعكس الواقع فقط، بل يعيد إنتاجه بطريقة تجعله يبدو أكثر إقناعاً من الأصل.
الأخطر أن هذا لا يشمل ما نراه فقط، بل ما لا نراه أيضاً. ان قضايا كاملة قد تختفي من المجال العام لأنها لا تحقق التفاعل المطلوب. وهكذا تُعاد صياغة أولويات المجتمع ليس بناءً على الأهمية، بل على قابلية الانتشار.
نحن إذن أمام تحول عميق: من إعلام ينقل الواقع، إلى إعلام يصنعه. ومن جمهور يختار، إلى جمهور يُختار له ما يراه.
وفي النهاية، يبقى السؤال الأهم: هل نعيش داخل الواقع… أم داخل نسخة منه صممتها الخوارزميات؟



