خبرني - لم يعد السؤال في إصلاح المالية العامة هو ما إذا كانت الحكومات قد تبنت المعايير الدولية، بل ما إذا كانت قادرة على توظيفها فعليًا في صنع القرار. فالفجوة بين “التبني” و”التطبيق” تمثل اليوم أحد أبرز التحديات التي تواجه العديد من الدول، بما فيها الأردن. رغم أن الأردن كان من الدول التي بادرت إلى تبني المعايير الدولية للمحاسبة في القطاع العام (IPSAS)، إلا أن التجربة العملية تشير إلى أن وجود المعايير بحد ذاته لا يضمن تحقيق الإصلاح المنشود. فالمعايير، بطبيعتها، توفر إطارًا فنيًا، لكنها لا تخلق تلقائيًا أنظمة قوية، ولا تبني قدرات مؤسسية، ولا تغير ثقافة اتخاذ القرار.
احدى ابرز التجارب الدولية التي سامهت في تحسين الرقابة على المالية العامة هي التجربة السعودية من المنبثقة من رؤية 2030 حيث تعد مثالًا مختلفًا في كيفية التعامل مع IPSAS. فقد تم إدماج هذه المعايير ضمن مشروع أوسع لإصلاح المالية العامة، شمل تطوير أنظمة معلومات مالية حكومية متكاملة، والتحول إلى أساس الاستحقاق، والاستثمار المكثف في بناء القدرات، وربط التقارير المالية مباشرة بعمليات التخطيط وصنع القرار. ما يميز هذه التجربة ليس فقط سرعة التنفيذ، بل وضوح الرؤية السياسية والدعم المؤسسي القوي، ما مكّن من تحويل IPSAS من إطار نظري إلى أداة عملية لإدارة المال العام بكفاءة أعلى.
وتكتسب هذه القضية أهمية إضافية عند النظر إلى رؤية التحديث الاقتصادي في الأردن (2023–2033)، التي ركزت بشكل واضح على تحفيز النمو عبر محركات قطاعية رئيسية وخلق فرص العمل. ورغم قوة هذه الرؤية من حيث التوجه الاقتصادي، إلا أن نجاحها يعتمد بالضرورة على وجود نظام مالية عامة قادر على إنتاج معلومات دقيقة وفي الوقت المناسب لدعم اتخاذ القرار. وهنا يبرز دور IPSAS ليس كإطار محاسبي منفصل، بل كأداة تمكّن صناع القرار من تقييم كفاءة الإنفاق، وقياس الأثر الحقيقي للسياسات الاقتصادية، وربط الموارد العامة بالأولويات التنموية بشكل أكثر فعالية.
بالنسبة للأردن، فإن التحدي اليوم لا يتعلق بتبني معايير جديدة، بل بإعادة تموضع الإصلاح المالي القائم. ويتطلب ذلك، أولًا، تفعيل دور المعلومات المالية في دعم السياسات الاقتصادية، بدلًا من بقائها ضمن الإطار الرقابي التقليدي. وثانيًا، الاستثمار في تطوير الأنظمة الحكومية وبناء الكفاءات القادرة على تحليل البيانات المالية، وليس فقط إعدادها. وثالثًا، ربط إصلاحات IPSAS بشكل مباشر بأهداف رؤية التحديث الاقتصادي، بحيث تصبح جزءًا من منظومة النمو، لا مشروعًا منفصلًا عنها.
كما تبرز فرصة حقيقية لتعزيز التعاون مع المملكة العربية السعودية في هذا المجال، سواء من خلال نقل الخبرات، أو تطوير برامج تدريبية مشتركة، أو الاستفادة من التجربة السعودية في إدارة التحول نحو المحاسبة على أساس الاستحقاق.
في النهاية، لا يمكن لأي إصلاح اقتصادي أن يحقق أهدافه دون نظام مالي عام قادر على إنتاج معلومات دقيقة وذات معنى. وهنا تكمن القيمة الحقيقية لـ IPSAS: ليس كغاية بحد ذاته، بل كوسيلة لإعادة تشكيل كيفية إدارة الدولة لمواردها وتعزيز كفاءة استخدامها.



