*
الاربعاء: 06 أيار 2026
  • 05 أيار 2026
  • 16:21
جنازة الفن الجميل هاني شاكر يرحل والطبقة الوسطى تشيَّع معه
الكاتب: عماد داود

لم يمت هاني شاكر!

 

جملة مريحة… لكنها ناقصة!

 

الأدق:

لم يمت الصوت…

الذي مات هو الإنسان القادر على سماعه!

 

لم يرحل مطرب!

 

رحلت طبقة كاملة!

 

الطبقة الوسطى…

التي كانت تملك رفاهية نادرة:

أن تحزن بأناقة!

 

هذه الطبقة لم تكن تسمع الأغنية!

 

كانت تعيش بها!

 

تستخدمها كجهاز توازن…

كضماد…

كحيلة أخيرة قبل الانهيار!

 

في بيوت نظيفة الستائر… متعبة الجدران…

 

كان الصوت يعمل بصمت!

 

ليس طرب…

بل صيانة داخلية للروح!

 

شريط الكاسيت؟

 

لم يكن سلعة!

 

كان طقس!

 

اقتطاع من الضروري…

لشراء ما يبدو غير ضروري…

لكنه ينقذ ما تبقى من الإنسان!

 

الطبقة الوسطى كانت فقيرة… نعم!

 

لكنها كانت تملك ما هو أخطر من المال:

 

وقت لا يحسب…

مكالمة لا تعد…

وقفة على مفرق بلا هدف…

وصمت لا يبرر…

وسيجارة بعد العشاء!

 

نعم… السيجارة!

 

لم تكن متعة!

 

كانت هدنة!

 

ما زلت أملك دقيقة… لا يطاردني فيها شيء!

 

وكانت هناك رحلتان:

 

الشتاء إلى البتراء…

والصيف إلى العقبة!

 

ليستا سياحة…

 

بل دليل أن الحياة لم تتحول بعد إلى عقوبة!

 

ثم بدأ الانهيار!

 

لا دفعة واحدة…

 

بل خنق تدريجي!

 

أولا:

صار الوقت مال!

 

ثم:

صار الشعور كلفة!

 

ثم:

صار التوقف تهمة!

 

ثم يطل المتخمون من شرفات منتدياتهم!

 

لا ليقدموا حل…

 

بل ليطلقوا أوامرهم:

 

تقشف!

خفف!

اصبر!

اختصر!

 

ثم تتطور المعادلة:

 

نصيحة…

ثم شرط…

ثم إذلال!

 

عش أقل…

اشعر أقل…

اطلب أقل…

 

ثم النتيجة:

 

كن أقل إنسان… لتبقى!

 

هنا فهم فيودور دوستويفسكي مبكرا!

 

الإنسان حين يذل اقتصاديا…

 

لا يخسر المال أولا!

 

يخسر:

الحلم…

ثم الغناء…

ثم نفسه!

 

وما قاله كارل ماركس:

 

الإنسان حين يتحول إلى أداة…

ينفصل عن ذاته!

 

وما رآه ماكس فيبر:

 

العالم الحديث قفص حديد…

منظم… دقيق…

لكن بلا روح!

 

وصرخة فريدريك نيتشه:

 

حين يختفي المعنى…

يبحث الإنسان عن أي عزاء… ولو كان أغنية!

 

وإشارة ابن خلدون:

 

إذا اختل العمران…

اختلت النفوس!

 

الرغيف لم يعد خبز!

 

صار ديكتاتور!

 

يبتلع:

الوقت…

الحب…

الذائقة…

والدموع!

 

الإنسان الذي يركض خلف الرغيف…

 

لا يملك رفاهية أن يحب…

أو يحزن…

أو يسمع أغنية حتى النهاية!

 

وهنا الكارثة:

 

لم يمنع الغناء!

 

لكن تم تحطيم المستمع!

 

اختفت الطبقة الوسطى…

 

فاختفى معها:

 

الحزن الراقي…

الانتظار الجميل…

الدمعة النظيفة…

والأغنية التي تسمع حتى آخرها!

 

لم يسقط هاني شاكر!

 

سقطت الطبقة التي كانت تحتاجه!

 

لم ينخفض الذوق!

 

انخفضت القدرة على الشعور!

 

لم تختف الأغنية!

 

اختفى الفراغ الذي يسمح بولادتها!

 

لقد انكسر الأمير داخل كل واحد منا!

 

ذلك الأمير…

 

الذي كان يقف على مفرق بلا هدف…

يدخن…

يجري مكالمة من هاتفه الجديد الذي اشتراه بالاقساط…

يستمع…

يشعر…

ولا يعتذر!

 

اليوم؟

 

حتى الحزن يحتاج إذن!

 

والتوقف يحتاج تبرير!

 

والغناء…

 

صار فائض غير مرغوب فيه!

 

اسألوا السؤال الحقيقي!

 

لا: لماذا رحل المطرب؟

 

بل:

 

كيف وصلنا إلى لحظة…

صار فيها الإنسان ترف…؟!

 

ذلك الزمن لن يعود بأغنية!

 

ولا بمرثاة!

 

ولا بحنين!

 

يعود فقط…

 

حين يبدأ التقشف من الأعلى…

لا من جيب من كان يشتري الكاسيت…

 

ليحمي ما تبقى من روحه!

 

وحتى ذلك الحين…

 

لن نغني لأننا بخير!

 

سنغني…

 

لا لننسى…

 

بل لنتأكد أننا

لم نتحول بعد

إلى صمت!

مواضيع قد تعجبك