*
الاربعاء: 06 أيار 2026
  • 04 أيار 2026
  • 14:55
مجتمع تحت الضغط هل نتحرك الان ام ننتظر الأسوأ
الكاتب: الدكتور زيد احمد المحيسن

لم تعد التحديات الاجتماعية والاقتصادية في الأردن مجرد ظواهر عابرة يمكن التغاضي عنها أو تأجيل معالجتها، بل أضحت إشارات مبكرة تنبّه إلى اختلالات عميقة في بنية المجتمع ومسارات تطوره. فالبطالة والفقر، وما يتصل بهما من تسول وتفكك أسري وتصاعد في معدلات العنف والجريمة، إلى جانب ارتفاع نسب الطلاق وتأخر سن الزواج، ليست قضايا منفصلة، بل خيوط متشابكة تنسج حلقة مفرغة تتغذى فيها الأزمات بعضها من بعض، وتُلقي بظلالها الثقيلة على الفرد والأسرة، ولا سيما فئة الشباب التي تواجه ضغوطًا نفسية ومعيشية متزايدة، في ظل فجوة واضحة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل.
إن خطورة هذه الظواهر لا تكمن في حضورها الآني فحسب، بل في قابليتها للتحول إلى أزمات مزمنة إذا ما استمر التعامل معها بمنطق التجزئة أو ردود الفعل المتأخرة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى انتقال نوعي من منطق التشخيص إلى منطق الفعل، عبر تبني رؤية استباقية شاملة تستند إلى تكامل السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية. فمعالجة البطالة مثلًا لا تتحقق فقط بخلق وظائف مؤقتة، بل تستدعي دعمًا حقيقيًا لريادة الأعمال، وتحفيز الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وربط الحوافز الاقتصادية بتشغيل الشباب، بما يحقق دورة تنموية مستدامة.
وفي ميدان التعليم، لا بد من مراجعة جذرية للمناهج والبرامج بما ينسجم مع تحولات العصر، من خلال تعزيز المهارات التقنية والمهنية، وتوثيق الصلة بين المؤسسات التعليمية وسوق العمل، بحيث يصبح التعليم أداة تمكين حقيقية لا مجرد مسار نظري منفصل عن الواقع. أما على المستوى الاجتماعي، فإن دعم الأسرة ينبغي أن يحتل موقعًا مركزيًا، عبر برامج إرشاد أسري، ومبادرات مجتمعية تسهم في الحد من تكاليف الزواج، وتكريس ثقافة الحوار والتماسك داخل الأسرة، بما يخفف من معدلات التفكك والعنف.
ولا يقل البعد النفسي أهمية عن سواه، إذ يستدعي توفير خدمات دعم وإرشاد نفسي ميسّرة، وفتح آفاق المشاركة أمام الشباب في الحياة العامة، بما يعزز شعورهم بالانتماء والجدوى. وفي هذا السياق، يغدو التنسيق بين صانع القرار والمجتمع المدني والإعلام ضرورة لا خيارًا، لتشكيل جبهة واعية قادرة على قراءة المؤشرات مبكرًا، والتدخل قبل تفاقمها.
إن بناء مجتمع مستقر ومتماسك لا يتحقق بالصدفة، بل هو ثمرة قرارات رشيدة، وسياسات مبتكرة، وإرادة واعية تستشرف المستقبل بدل الارتهان لضغوط الحاضر. وحين تتحول التحديات إلى فرص عبر التخطيط الوقائي والعمل المشترك، يصبح المجتمع أكثر قدرة على كسر الحلقة المفرغة، وصناعة مسار تنموي يليق بطموحاته ويصون كرامة أفراده.

مواضيع قد تعجبك