هناك في أرض بعيدة تُعاد فيها الوعود حتى تُفرغ من مضمونها، وتتحرك السياسات الاقتصادية ببطء يكاد لا يُرى، أو لا يُدرك له أثر.، يستيقظ مواطن مثقلا بقلقه، لا يسأل ترفا، بل يستفهم بإلحاح هل القادم أجمل؟ غير أن هذا السؤال لا تُجيب عنه الأرقام، ولا تحسمه تحليلات تُجمل المشهد بمساحيق من الدرجة الثالثة، بل يحتاج إلى ضمير يقول الحقيقة كاملة لا انصافها المضللة، وعين ترى الواقع كما هو، لا كما يُراد له ان يُعرض.
حين يُزين الخلل حتى يبدو نجاحا، ويُطلى الواقع حتى يُخيل للناس أن العلل انجازات قيد التطوير، يصبح الصمت أصدق من الخطاب، والواقع أبلغ من كل تبرير. وهنا يتكشف السؤال بحدته: هل القادم أجمل؟
كيف يكون أجمل، والفقر يتمدد في صمت، والطبقة الوسطى تذوب تدريجيا، حتى يغدو العيش الكريم أمنية مؤجلة؟ كيف يُبشر بالجمال، حين تتحول الكرامة الاقتصادية من حق إلى امتياز، ومن أساس إلى منحة؟
وهل يكون أجمل، والعدالة... حاضرة في الخطب، غائبة في الواقع؟ تُرى مستقيمة على المنصات، لكنها في الميدان تتعثر، تُنصف القريب وتتجاهل البعيد. في نظر عدد لابأس به، لم تعد العدالة عمياء، بل قصيرة النظر.
ثم ماذا عن الإنسان الذي يكتشف أن كفاءته لم تعد كافية، لا لقصور فيه، بل لأن الطريق تغير؟ طريق لا يُفتح بالاجتهاد وحده، بل بمعرفة من يقف خلف الأبواب. عندها، يتحول النجاح من استحقاق إلى دعوة خاصة وكأن الفرص لم تعد تُمنح… بل تُوزع.
هل القادم أجمل، والقلق المالي يطرق أبواب التقاعد والضمان و....، دون طمأنينة حقيقية؟ تُسد الثغرات بموارد لا تكفي، ويُطلب من المواطن صبر جميل إضافي، كأن الصبر أصبح بديلا للإصلاح.
وهل تُدار العلاقة بين الدولة والمواطن بمنطق الكلفة والجباية؟ أم بمنطق العقد الاجتماعي القائم على التكافل و العدالة؟ في عالم تُقدم فيه الخدمات كحقوق، كيف يُطلب من الناس قبول تضييق معنى الحق وتوسيع معنى الكلفة؟
ثم يأتي الدين العام، متضخما بلا حدود، يُرحل من جيل إلى جيل، حتى يصبح المستقبل عبئا قبل أن يكون أملا. يُدفع الثمن من الدخل، ومن الفرص، ومن الزمن المؤجل.
يُسمع عن خطط ولجان لا تنتهي، بأسماء متعددة، لكن السؤال الجوهري يبقى: هل تُقاس السياسات بما يُكتب، أم بما يعيشه الناس؟ فالأمم لا تُبنى بالشعارات، بل حين يتحول القول إلى فعل، والأرقام إلى حياة كريمة.
هل القادم أجمل، حين يُطلب التقشف ممن يعيش أصلا في ضيق؟ حين يُقال إن الدولة تتحمل، بينما الإحساس العام لا يعكس ذلك؟ فالعدالة لا تُقاس بما يُقال، بل بما يُعاش.
وماذا عن الشباب، الذين يقفون على أبواب الحياة بشهاداتهم، ولا يجدون إلا فرصا ضيقة؟ الخطر ليس في البطالة وحدها، بل بشعور الإنسان أن جهده لا يقوده إلى نتيجة عادلة.
وحين يُثقل الغذاء والدواء والتعليم كاهل الأب، ويغدو جيبه ممزقا أشد التمزق، لا يبقى له من الرفاهية إلا صورتها في كتاب ابنه "العلوم".وتارة يسمعها في خطب من يتملق ليُعاد تدويره، ولا يراها في الشارع، كأنها كذبة مهذبة تُلقى عليه كل مساء. يفتش في جيبه فلا يجد سوى تعب قديم، وفي قلبه خوف جديد. فالفقر هنا لا يسرق المال فقط، بل يسرق الطمأنينة، ويترك الانتماء واقفا على حافة السؤال.
وفي ظل تكرار الوجوه وتوارث المناصب كأنها حق مكتسب، وضعف التجديد، وهجرة الكفاءات، يختل ميزان الفرص. الهجرة هنا ليست خيارا، بل نتيجة. وعندها يصبح السؤال أثقل هل نحن أمام باب لا يُفتح؟
إذا ضاق الحوار، وخفت النقد البنّاء، تراجعت حيوية التغيير والتطوير، وساد جمود غير محمود، وبقي الاستقرار شكليا. وإذا تآكلت الثقة، اهتز معها كل شيء.
الإجابة ليست في تكرار السؤال، بل في شجاعة المواجهة. لن يكون القادم أجمل، ما لم يتحول الإصلاح إلى فعل يُرى، وتُقاس السياسات بميزان الإنسان، لا التبرير المهتريء الذي لاينتهي.
وقد يكون الأمل ممكنا، إذا أعيد تعريف الوطنية كمسؤولية عملية لا شعار، وإذا أصبح صوت المواطن شريكا في القرار لا صدى له. عندها فقط، لن نسأل: هل القادم أجمل؟ بل نصبح نحن من يصنعه… أو من يدفنه.



