كتبتُ هذا النص في الأول من مايو.
أرسلته… ولم يُنشر.
وهذا — وحده — كافٍ ليكون مقدمةً صادقة لكل ما سيأتي!
اليوم عيد العمال.
نحن في العطلة…
وهم في العمل!
لم يختلّ التوقيت.
اختلّ المعنى!
مئتان وتسعون ديناراً.
ليست راتباً.
بل المسافة الدقيقة بين أن تعيش… وأن لا تموت!
اجتمعوا. قرّروا. أغلقوا الملف حتى 2027.
لكن أحداً لم يُغلق التعب.
تركوا العامل مفتوحاً… على يوم لا ينتهي!
الذي يبني بيتك — لا يملك باباً.
الذي يخيط قميصك — لا يملك وقتاً ليرتديه.
التي تنظف يومك — لا تملك يوماً.
ليسوا استثناءً.
هم القاعدة… التي لا نريد أن نراها!
البنّاء لا يعرف أن اليوم عيده.
لأنه لو توقّف… سقط!
قطرة العرق التي تنزل من جبينه ليست ماءً،
بل توقيع حي يقول:
أنا هنا… كي لا ينهار كل شيء!
السائق لا ينتظر خطاباً —
ينتظر نهاية يوم لا ينتهي.
عاملة المنزل لا تنتظر تهنئة —
تنتظر أن تُرى!
عامل المصنع لا ينتظر عيداً —
ينتظر أن لا يُمحى بسهولة.
في أحداث هايماركت في شيكاغو،
لم يخرج العمال ليحتفلوا.
خرجوا لأن الحياة ضاقت… حتى ثماني ساعات!
دفعوا دماً.
فحوّلناه إلى مناسبة.
وحوّلنا المناسبة إلى عطلة.
وأخذنا العطلة… وتركناهم!
قال كارل ماركس ببرود العالِم:
العامل يبيع يومه… ليشتري فرصة بيع يوم آخر.
وصرخ أحمد فؤاد نجم بحرارة الجرح:
يبنون… ولا يسكنون!
مرّ قرنان.
ولم تتغيّر الجملة.
الذي تغيّر فقط… أننا صرنا نقتبسها بدل أن نسمعها!
كل مدينة تقف — على أكتاف من لا يقفون.
كل بيت يحمينا — بناه من لا يجد ما يحتمي به.
كل طريق نسلكه — مرّ فوقه تعب لا نراه.
هذه ليست مبالغة.
هذه الحقيقة… حين تُقال بلا زينة!
العيد ليس عطلة.
العيد عدالة!
لكن العدالة مكلفة…
فاخترعنا بديلاً أرخص:
يوم إجازة…
وصورة…
وكلمة: كل عام وأنتم بخير!
الإسمنت ما زال على الكتف.
المقود ما زال في اليد.
والتعب ما زال في جسد
لا يملك رفاهية الانهيار.
الفرق الوحيد…
أننا سمّينا ذلك عيداً!
الأول من مايو لم يُخلق ليُحتفل به.
خُلق ليُقلق!
لكننا روّضناه.
حوّلناه إلى صورة.
والصورة — مهما كانت جميلة —
لا تُطعم جائعاً!
نحن لا نحتفل بالعمال.
نحن نحتفل بقدرتنا… على نسيانهم!
أما العيد الحقيقي،
فليس يوماً في التقويم.
العيد الحقيقي هو اليوم
الذي يستيقظ فيه العامل…
ولا يجد العالم واقفاً فوقه!
ذلك اليوم…
لم يأتِ بعد.
ليس لأنه مستحيل،
بل لأننا — ببساطة —
لم نقرّر أن يأتي!
الحقيقة الأخيرة؟
نحن لا ننسى العمال…
نحن نتذكّرهم… ثم نكمل يومنا!
ولهذا…
كل عام…
والتعب بخير!



