خبرني - كتب مراقب للشأن الاعلامي :
حين تتحول السلطة من أداة تنظيم إلى وسيلة ضغط، لا تعود مؤسسة عامة بل تصبح ساحة اختبار للعدالة. وما يحدث في التلفزيون الأردني اليوم يقدّم نموذجًا صارخًا لما يمكن أن يصل إليه الخطأ في استخدام الصلاحيات حين تُفرغ من هدفها الأساسي وهي خدمة العمل وحماية حقوق القائمين عليه.
مشروع “ناس”، الذي وُلد كفكرة درامية تحترم الإنسان الأردني وتعيد الاعتبار للحكاية المحلية، لم تكن المشكلة في النص أو التنفيذ، بل في البيئة التي أحاطت به.
المشروع، الذي كان يفترض أن يكون نقطة التقاء، تحوّل إلى خط انقسام داخل المؤسسة: فريق مع المشروع، وآخر ضده.
والمفارقة ان الخلاف ليس لأسباب فنية أو إنتاجية، بل لأن بعض اصحاب القرار أرادوا فرض معايير عمل لا تليق بالمستوى المطروح وعندما لم يرضخ الفريق لهذه الضغوط، بدأت العقوبة.
العقوبة هنا لم تكن مباشرة أو معلنة، بل جاءت عبر أكثر أدوات السلطة قسوة وهدوءًا: حجب الحقوق. تأخير مستحقات العاملين، دفعهم نحو مسار قانوني طويل، وإلقاء العبء عليهم بدلًا من حل المشكلة من داخل المؤسسة.
المفارقة أن من اتخذ القرار يدرك تمامًا أن القضاء سينصف المتضررين في النهاية، لكنه يراهن على إنهاكهم قبل الوصول إليه.
ولعل المثال الأخطر، الذي يصل إلى شبهة مخالفة صريحة للقانون، هو ما تعرّض له بعض العاملين من إصابات عمل أثناء التصوير وبدلًا من تحمّل المؤسسة لمسؤولياتها القانونية والأخلاقية، تم إبلاغهم بعد انتهاء التصوير بخصم تكاليف علاجهم من مستحقاتهم.
هذا الإجراء لا يمكن تبريره إداريًا بأي شكل، لأنه يمس حقًا عماليًا أصيلًا كفلته التشريعات، وعلى رأسها قانون العمل الأردني، الذي يوجب على صاحب العمل تغطية إصابات العمل وما يترتب عليها من علاج وتعويض، دون تحميل العامل أي أعباء.
في هذا السياق، تبرز المسؤولية الإدارية المباشرة لمدير عام المؤسسة، ليس فقط بوصفه صاحب القرار، بل بصفته الجهة التي يفترض أن تضمن التزام المؤسسة بالقانون قبل أي اعتبار آخر. فحين تتحول الصلاحيات إلى أداة ضغط، يصبح الصمت عنها مشاركة ضمنية في تكريسها.
ما يحدث ليس خلافًا إداريًا عابرًا، بل اختبار حقيقي لمفهوم المؤسسة العامة: هل هي كيان يحمي العمل وأهله، أم أداة تُستخدم لفرض الإرادات؟
مشروع “ناس” لم يُعاقَب لأنه فشل، بل لأنه رفض أن يُختزل. وهذا بحد ذاته، في أي سياق مهني محترم، يجب أن يكون مصدر قوة لا سببًا للعقاب.
في النهاية، السلطة التي لا تُراقَب… تتحول إلى امتياز. والامتياز، حين يُساء استخدامه، لا يضر الأفراد فقط، بل يضرب ثقة المجتمع بالمؤسسات كلها.



