*
الاربعاء: 29 نيسان 2026
  • 29 نيسان 2026
  • 11:24
حين ارتفع الصوت سقط المعنى
الكاتب: محمد الحواري

بقلم: محمد الحواري

في زمنٍ صار فيه الوصول أسهل من الفهم، لم يعد الصوت علامة حضور… بل أحياناً علامة ارتباك.
نفتح هواتفنا فنجد ضجيجاً لا ينتهي، كلمات تُقال بسرعة، وآراء تُلقى دون تمهّل… لكن ما الذي يصل فعلاً؟

نسمع كثيراً… لكننا لا نُصغي.

السمع أن يمر الصوت عبر أذنك،
أما الإصغاء… فهو أن يمر الإنسان عبر قلبك.

وفي واحدة من اللحظات التي انتشرت مؤخراً، خرج أحدهم في بث مباشر، يتحدث بثقة وصوت مرتفع، لكنه خلط المعاني، وتجاوز حدود الأدب، حتى تحوّل حديثه من محاولة تعبير… إلى مثال على غياب الفهم.
لم تكن المشكلة في ما قاله فقط… بل في الطريقة:
صوت عالٍ… ومعنى خائب.

وهنا تكمن الحكاية.

كثير من خلافاتنا اليوم لا تأتي من اختلاف الآراء، بل من استعجال الرد، ومن وهم أننا نعرف.
نريد أن نتحدث قبل أن نفهم، وأن نُقنع قبل أن نُنصت.

تخيّل شخصين يقفان على طرفي نهر، يصرخ كلٌ منهما للآخر…
يرتفع الصوت، لكن المعنى يغرق في الماء.
ما كان ينقصهما لم يكن قوة الصوت… بل جسر.

وهذا الجسر هو الإصغاء.

المحتوى الحقيقي لا يضيف ضجيجاً جديداً…
بل يخلق مساحة فهم.
لحظة هدوء… يعود فيها الإنسان لنفسه، قبل أن يتحدث.

نحن لا نحتاج مزيداً من المتكلمين…
نحتاج من يعرف متى يصمت، وكيف يفهم.

لأن المعنى لا يولد من ارتفاع الصوت…
بل من عمق الإصغاء.

أجمل ما في الحديث… أن تعرف متى تصمت.

مواضيع قد تعجبك