*
الاثنين: 27 نيسان 2026
  • 27 نيسان 2026
  • 11:10
التاريخ سيحكم عليّ لأنني سأكتبه
الكاتب: زهير الشرمان

التاريخ ليس مجرد سرد للأحداث بل اختزال لصراع الإنسان مع الزمن والسلطة والحقيقة، قال ونستون تشرشل عبارته الشهيرة: "التاريخ سيكون لطيفا معي لأنني أنوي كتابته" عبارة تبدو للوهلة الأولى ساخرة لكنها في عمقها تكشف عن واحدة من أخطر الحقائق في تشكيل الوعي البشري بأن التاريخ ليس دائما ما حدث فعلا؟ بل ما كُتب عن ما حدث او ما تم الاتفاق  صراحة أو ضمنا على تداوله بوصفه "الحقيقة".

وينسب إلى نابليون بونابرت قوله: "التاريخ هو مجموعة من الأكاذيب التي تم الاتفاق عليها"، وبين العبارتين تتشكل معادلة دقيقة، فالتاريخ ليس كذبة مطلقة لكنه أيضا ليس حقيقة خالصة بل هو بناء معرفي يتشكل عبر الروايات ويعاد تشكيله عبر القوة والسلطة القائمة والنفوذ والمعرفة.

التاريخ ليس سجلا محايدا للأحداث بل هو نتاج روايات متصارعة يكتبها المنتصر ويعيد صياغتها الأقوى ويهمش فيها صوت الضعيف، ومن هنا فإن من يمتلك أدوات السرد، السلطة والإعلام والمعرفة، حئينذ يمتلك القدرة على تشكيل ذاكرة الأمم بل وحتى إعادة تعريف الخير والشر والبطولة والخيانة والضحية والجلاد...

هذه الحقيقة لا تقتصر على الحروب الكبرى أو التحولات السياسية العميقة بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية للدول والشعوب، كم من ثورة وصفت بالفوضى لأنها هددت مصالح الأقوياء او ربما الفاسدين؟ وكم من قمع سمي "حفظا للنظام" لأنه جاء من جهة تمتلك المنبر؟ وكم من مأساة تم تزييفها أو طمسها لأنها لا تخدم الرواية الرسمية؟

إن كتابة التاريخ ليست فعلا بريئا بل هي جزء من  ممارسة السلطة فحين يكتب التاريخ يتم اختيار ما يذكر وما ينسى، من يمجد ومن يدان، أي سياق يبرز وأي سياق يخفى، وهنا تكمن الخطورة حين تتحول الحقيقة إلى وجهة نظر والوقائع إلى مادة قابلة للتأويل حسب الحاجة.

ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين "المؤرخ" و"المروج". فالأول يترك الباب مفتوحا للمراجعة ويعترف بنسبية المعرفة ويبقي على مسافة نقدية من موضوعه، أما الثاني فيغلق كل الأبواب بالدعاية ويحول الرواية إلى عقيدة والحدث إلى أداة تعبئة والحقيقة إلى منتج جاهز للاستهلاك  من قبل العقول الساذجه ....

لكن هل يعني ذلك أن التاريخ كذبة كبرى؟ ليس تماما، بل يعني أن الحقيقة التاريخية معادلة كيمائية مركبة معقدة تحتاج إلى قراءة نقدية وإلى وعي بأن كل رواية تحمل في طياتها انحيازا ما ظاهرا أو خفيا، فالمؤرخ مهما حاول التجرد يظل ابن بيئته أسير ثقافته وافكاره ومتأثرا بزمانه ومصالحه...

في عصرنا الحديث الرقمي لم تعد كتابة التاريخ حكرا على السياسيين أو المؤرخين الرسميين ،لقد دخلت التكنولوجيا كعامل جديد في هذه المعادلة فوسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي  والذكاء الصناعي وحتى الأفراد العاديون أصبحوا شركاء في صناعة الرواية، لكن هذه المشاركة الواسعة لم تنه المشكلة بل ربما زادتها تعقيدا إذ باتت الحقيقة نفسها ساحة معركة تتنازعها الأخبار الزائفة والدعاية والخوارزميات التي تظهر لك ما تريد أن تراه ،لا ما يجب أن تعرفه!؟

تبقى معركة الوعي التي تتشكل في هذا السياق هي المعركة الوحيدة التي لا تنتهي بانتهاء الحروب ،فإذا كان تشرشل قد كتب تاريخه الخاص فإن الأجيال اللاحقة والباحثين المستقلين أعادوا تشريح ممارساته في المستعمرات، ومنها ما ارتبط بمآس كبرى مثل مجاعة البنغال، ليثبتوا أن قلم السلطة قد يكتب البداية لكن وعي الشعوب هو من يكتب الخاتمة...

وهنا يبرز سؤال لا مجال لمغادرته في ظل هذا الصراع على الحقيقة ،
هل سيكون الذكاء الاصطناعي أداة لتحرير التاريخ من التحيز البشري؟ 
أم أنه سيتحول إلى "تشرشل رقمي" يكتب التاريخ لمن يمتلك الشيفرة؟

الجواب بالتأكيد ليس بسيطا فالذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة هائلة على  تجميع و تحليل كم غير مسبوق من البيانات ومقارنة الروايات وكشف التناقضات وإعادة الاعتبار للأصوات المهمشة، لكنه في الوقت ذاته يتغذى على بيانات أنتجها البشر ؟!
 وقد يعيد إنتاج انحيازاتهم بل ويضفي عليها طابعا علميا يوحي بالحياد.

لكن إذا صمم الذكاء الاصطناعي ليكشف مصادره ويعرض تعددية الروايات ويعترف بدرجات عدم اليقين فإنه يقترب من دور "المؤرخ"، أما إذا  تم استخدمه  كأداة لإعادة صياغة الرواية وفق مصالح محددة فسنكون أمام نسخة أكثر تطورا وخطورة من "المروج" ولكن بلباس يوهمك بالعلمية والاكاديمية الموثوقة والحيادية....

 ربما لا يمكننا منع الأقوياء  والمتنفذين من محاولة كتابة التاريخ لصالحهم، لكن يمكننا أن نرفض قراءته بشكل أعمى، اذ يمكننا أن نبقي الأسئلة  مشتعلة وحية وأن ندرك أن الحقيقة لا  يمكن ان تختزل في رواية واحدة.

فالتاريخ في جوهره ليس فقط ما حدث، بل كيف نفهم ما حدث وبين من يكتب ومن يقرأ ومن يعيد القراءة حينها  تستمر معركة الوعي، معركة لا تحسم بانتصار بل تُدار بيقظة دائمة وبشك منهجي عقلاني يحرس الحقيقة من التبسيط والانحياز.

مواضيع قد تعجبك