*
الاثنين: 27 نيسان 2026
  • 26 نيسان 2026
  • 20:58
الجريمة التي كسرت الصمت من يحمي الوعي الأردني
الكاتب: ياسر شطناوي


لا يمكن اختصار “حصن الوعي المجتمعي" على رواية سياسية أو مذهب منغلق أو نوستالجيا سياسية بل ــ على مستوى أعمق ــ صراع على المعنى ذاته (كيف نعرف أنفسنا خارج ضجيج اللحظة وضغط المصلحة، وتشوهات البيئة الدخيلة علينا؟ كيف نحول المستقبل من توقع إلى مشروع وعي أخلاقي؟ كيف نحول تاريخنا الكبير إلى ذاكرة حية تمنعنا وتحمينا من الانزلاق ؟ 

كمجتمع أردني محافظ ورصين ومتماسك له تاريخ عريق ومشروع كبير وسردية غنية يرفض الجريمة ويدينها وينبذ فاعلها، كيف لنا أن نفصل بين الوعي واللاوعي بما يخدم مشروعنا؟ وكيف لنا استثمار اللحظة حتى لا نفقد القدرة على تفسير ذاتنا ليأتي آخرون يسفرون المشهد على مقاسهم وحسب تأويلاتهم؟ نعم الخطر لا يكمن فقط في عدو خارجي يتربص، بل في لحظة داخلية يفقد فيها الفرد قدرته على تفسير ما يدور حوله فيفقد ذاته بسبب غياب النخب "وتخليهم عن الامساك بالمايك" وتشوه الفكرة بعد أن ساد الفراغ العام، وتقطعت أو قطعت قصدا أواصر الترابط.

لا تُقاس المجتمعات بما تعلنه من قيم فقط، بل بما تشعر به حين تمس تلك القيم،  وفي الأردن - حيث تتجذر منظومة أخلاقية محافظة على الوعي الجمعي- تأتي الجرائم العنيفة _ وعلى نحو خاص تلك التي تستهدف الأطفال_ كصدمة وجودية تمس ما هو أعمق من القانون، تمسّ الضمير نفسه.

حادثة مقتل الأطفال الثلاثة على يد والدهم في محافظة الكرك، لم تكن خبرا عابرا في سجل الحوادث بل لحظة انكشاف حادة كشفت حجم التناقض بين ما يؤمن به المجتمع وما يمكن أن يحدث على هامشه، بعد حالة التراخي التي مر بها المجتمع، فالأردنيون بطبيعتهم الثقافية والاجتماعية ينتمون إلى منظومة قيم ترفض القتل والجريمة بوصفهما خروجا صارخا عن الإنسانية قبل أن يكونا خرقا للنظام العام، لهذا فإن الغضب على الحادثة لم يكن مجرد رد فعل بل تعبيرا عن جرح في الهوية الأخلاقية.

هنا يجب أن يتحول الوعي من موقف إلى مشروع، مشروع كبير لا يكتفي بحماية القيم نظريا بل يعمل على تجديدها عمليا، فالمجتمع المحافظ ليس ذلك الذي يفترض أنه محصن بالكامل بل هو الذي يدرك أن المحافظة على القيم تحتاج إلى يقظة مستمرة وأن الانحراف (وأن كان محدودًا) يستدعي مراجعة طويلة وعميقة، لا إنكارا ولا تهويلا.

نعم أن أخطر ما قد نواجه في مثل هذه اللحظات هو أحد مسارين، إما التهوين باعتبار الجريمة حالة فردية لا تعكس سلوك في المجتمع، أو التهويل الذي يصل إلى حد جلد الذات الجماعية، وفي الحالتين يُضعف الوعي العام لأنه يغلق باب الفهم، ولأنه يهز الثقة بالذات، لكن بينهما يقف الوعي الحقيقي ( ادانة واضحة، وفهم عميق، وإرادة للإصلاح) .

حادثة مقتل الاطفال في الكرك بكل ألمها تضع الأردنيين أمام اختبار مزدوج، اولا الوفاء لقيمهم، وثانيا قدرتهم على تطوير أدوات حمايتها، فما حدث هو تذكير قاس بأن القيم مهما كانت راسخة تحتاج للتجديد والتذكير هي مسؤولية يومية.

لا يخلو أي بلد من الجريمة، لكن ما زال وقوعها في  مجتمعنا مرفوضة بلا لبس ويجب مواجهتها بلا تردد ويجب السعي دائم لفهم جذورها دون فقدان لبوصلتنا الأخلاقية.

في النهاية، نعم أظهر الأردنيون في رد فعلهم على هذه الحادثة أن معركة الحفاظ على حصن الوعي المجتمعي ما تزال حيّة،  وأن الضمير رغم الصدمة لم يفقد قدرته على التمييز بين ما يجب أن يكون، وما لا يجوز أن يقبل.

مواضيع قد تعجبك