خبرني - في مقالها الذي نُشر مؤخرا على موقع "ذا كونفرزيشن" ، تقول الدكتورة إيليم ألتونتاش، الباحثة في مجال تطور الكلام واللغة بجامعة غرب سيدني، إن الأطفال الرضع أشبه بـ"محققين صغار"، يجمعون أدلة عن العالم من حولهم باستمرار؛ "فإذا لاحظتِ يوما أن طفلكِ يحدق بكِ أثناء حديثكِ، فذلك لأنه لا يلتقط الأصوات فحسب، بل يتعلم كيفية إصدارها".
وتوضح ألتونتاش أن "كل من قضى وقتا مع طفل رضيع، يدرك مدى صعوبة التنبؤ بما يحدث في السنة الأولى"، فقد يبدو الطفل في أسبوع ما من هذه المرحلة وكأنه يستوعب شيئا جديدا، وفي الأسبوع التالي، قد يختفي هذا الاستيعاب. وهو ما يثير قلق الأبوين ويدفعهما للتساؤل: هل نسي طفلي؟ هل حدث خطأ ما؟ ظنا منهما أن تقدم الطفل لا يأخذ مساره الطبيعي. ومن هنا تأتي أهمية إلمام الأبوين بتفاصيل هذه المرحلة التي تمنح الطفل بداية أقوى في الحياة.
لماذا التركيز على السنة الأولى؟
وفقا لمراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة، تمنح معرفتك بمراحل النمو العاطفي والاجتماعي للأطفال من الولادة وحتى عمر سنة، "أطفالك بداية جيدة في الحياة". ففي السنة الأولى، يتعلم الأطفال تركيز بصرهم، ومدّ أيديهم، واستكشاف الأشياء من حولهم والتعرف عليها؛ ويشمل نموهم النمو المعرفي أو نمو الدماغ وتعلم الذاكرة واللغة والتفكير والاستدلال.
وتعلم اللغة لا يقتصر على إصدار أصوات (مناغاة) أو قول "ماما" و"بابا"، بل يُعدّ "الاستماع والفهم ومعرفة أسماء الأشخاص والأشياء"، جزءا أساسيا من نمو اللغة. وهو ما تؤكده الدكتورة سامانثا دورانت، المحاضرة في علاج النطق واللغة لموقع "بي بي سي"؛ وتوضح: "يكتسب الطفل في السنة الأولى الكثير من المهارات الأساسية، ليستخدمها لاحقا لتطوير مهارات أخرى"؛ فعلى سبيل المثال، يتعلم الطفل الأصوات التي تُكوّن الكلمات، قبل أن يتقن النطق والكتابة.
تعلم الرضع الكلام.. عملية مذهلة
ضمن محاولات الكشف عن الطرق التي يهيئ بها دماغ الأطفال الرضع بيئة مثالية لتعلم اللغة، أظهرت دراسة أجريت بقيادة الدكتورة إيليم ألتونتاش، ونُشرت مطلع عام 2025، أن "الأطفال الرضع في عمر 4 أشهر قادرون على تعلم أنماط نطق الأصوات الكلامية، من خلال ربط ما سمعوه بما شاهدوه".
واستنتج الباحثون أن الأطفال في هذه العملية المذهلة التي تبدأ في عمر 4 أشهر، لم يكونوا يتذكرون الأصوات الفردية فحسب، "بل كانوا يفهمون كيفية نطق الأصوات، سواء بالشفاه أو بطرف اللسان".
وبحلول عيد ميلادهم الأول، يبدأ الأطفال الرضع في ضبط آذانهم بدقة على أصوات لغتهم الأم في عملية تسمى "التناغم الإدراكي"، وكأن دماغهم يُفرز مجموعة كبيرة من الأصوات للتركيز على الأصوات الأكثر أهمية، وبين 6 أشهر و12 شهرا، يبدأون بالتركيز على الأصوات التي يسمعونها بكثرة. لكن الدراسة وجدت أن الأطفال في عمر 4 أشهر يتعلمون كيفية نطق الأصوات فعليا "قبل وقت طويل من بدء هذا التركيز الدقيق".
وفي مارس/آذار الماضي، أشارت دراسة بقيادة الدكتورة ألتونتاش أيضا، إلى أن الأطفال بين الشهرين السابع والعاشر تقريبا "يصبحون أكثر حساسية لأصوات اللغة التي يسمعونها يوميا، كما يبدأون أيضا في التعرف على الكلمات الشائعة وربط الأصوات بالمعنى".
نمو كل طفل يختلف عن الآخر
هناك خيط رفيع بين الاهتمام بمراحل نمو الطفل في عامه الأول، وبين مقارنتها بمراحل نمو أطفال آخرين. تقول الدكتورة سامانثا دورانت إنه لا ينبغي أن يركز الوالدان كثيرا على مراحل النمو، لأن نمو كل طفل قد يختلف عن الآخر، "وقد يتقن بعض الأطفال مهارة ما مبكرا، ويتقنها بعضهم لاحقا".
لذا لا داعي للقلق إذا لم يُظهر طفلكِ مهارة معينة بعد تجاوز مرحلة عمرية محددة، وسيساعدكِ طبيب الأطفال في فهم طبيعة نمو طفلكِ.
كما تقول كيري بينيت، وهي زائرة صحية في مؤسسة تابعة لهيئة الخدمات الصحية البريطانية، إنه لا ينبغي المقارنة بين مراحل نمو الأطفال لأنها تختلف من طفل لآخر. وتضيف: "أعتقد أننا نعيش ثقافة مراقبة الأطفال بشكل مفرط، ونفترض دائما أنه في هذا العمر يجب أن نفعل كذا، وفي هذا العمر يجب أن نفعل كذا". وبحكم عملها، تقول كيري إنها ترى آباء يركزون بشدة على أن طفلهم لا يزحف، ولكن "عندما تزور الطفل، تجد أنه ينمو بشكل رائع".
وتعود سامانثا وتوضح أن عدم نمو الطفل بنفس الدرجة مع الأطفال الآخرين، "لا يعني بالضرورة وجود ما يدعو للقلق؛ فقد يكون ببساطة يحقق مرحلة أخرى أسرع". وتضيف: "الأهم هو عدم المقارنة، وعدم الحكم على الطفل بناء على تحقيقه هدفا معينا، بل النظر إلى الصورة الكاملة".
كما وجدت الدكتورة ألتونتاش في أبحاثها أن "الأطفال لا يتعلمون بشكل منتظم، وأن الطفل إذا لم يبدِ استجابة واضحة في عمر معين، فهذا لا يعني أنه توقف عن التعلّم أو فوّت خطوة مهمة؛ فالنتائج تُظهر أن هذه التغييرات قد تُخفي عملية تعلم مستمرة وليست لحظات فارغة أو فقدانا للمعرفة".
10 نصائح لنمو وسلامة طفلك الرضيع
وإليك أهم النصائح للحفاظ على سلامة طفلكِ ونموه خلال عامه الأول بحسب الخبراء:
• تحدثي إلى طفلك، تقول الدكتورة سامانثا إن التحدث مع الأطفال الرضع والقراءة والغناء لهم، يهدئهم ويزيد فرصهم في تعلم اللغة، وتوصي باستخدام "أسلوب كلام أبطأ بنبرة عالية وإيقاع غنائي"؛ وسرد تفاصيل اليوم على مسامعهم، كقول: ماذا سنفعل الآن؟ سأحضر كوبا من الشاي، سأضع الماء في الغلاية؛ فهذا مفيد جدا ويُسهل عليهم تمييز خصائص اللغة وأصواتها.
• اقضي وقتا في احتضانه وحمله، لمساعدته على الشعور بالرعاية والأمان. ففي هذه المرحلة يُكوّن الأطفال روابط حب وثقة مع الآخرين، ويُشكل احتضانهم وحملهم واللعب معهم، "أساسا لتفاعلاتهم المستقبلية مع الوالدين والآخرين".
• العبي معه وراقبيه عن كثب، بحثا عن علامات التعب، ودعيه يأخذ قسطا من الراحة من اللعب.
• احذري قبضة الكماشة، فوفقا لكيري بينيت، قد يبدأ الأطفال من عمر 9 أشهر في تطوير قبضة الكماشة (مهارة حركية دقيقة يستخدم فيها الطفل إبهامه وسبّابته لالتقاط الأشياء)، مما يتطلب أن ننتبه لما يلتقطونه من قطع صغيرة قد يجدونها ويضعونها في أفواههم.
• احميه من الاختناق، بتقطيع طعامه إلى لقيمات صغيرة، ولا تدعيه يلعب بأشياء صغيرة يمكن أن يبتلعها بسهولة؛ ولا تسمحي له باللعب بأي شيء يغطي وجهه.
• لا تهزيه أبدا، فعضلات رقبة الأطفال الرضع ضعيفة جدا ولا يمكنها حمل رؤوسهم بعد؛ وهزهم قد يُلحق الضرر بدماغهم، أو قد يتسبب في وفاتهم. وحاولي ألا تبقيه في الأرجوحة أو عربة الأطفال أو الكرسي الهزاز لفترات طويلة.
• أبعديه عن التدخين السلبي، ولا تسمحي لأحد بالتدخين في منزلك.
• لا تحملي سوائل أو أطعمة ساخنة بالقرب منه أو أثناء حمله.
• ضعيه دائما على ظهره عند النوم، لمنع متلازمة موت الرضع المفاجئ.
• تأكدي من حصوله على جميع التطعيمات الضرورية لحمايته من الأمراض الخطيرة.



