*
الاحد: 26 نيسان 2026
  • 26 نيسان 2026
  • 14:53
أولادكم ليسوا لكم
الكاتب: عماد داود

السكين لم تبدأ في مزرعة الكرك.

السكين كانت في البيت منذ زمن، فقط نحن كنا نُصرّ على تسميتها أباً!

بدأت يوم قرر مجتمع كامل أن يربّي أبناءه على أن الرجولة صوت مرتفع، ويد ثقيلة، وغضب لا يُحاسَب. يوم قيل للصبي إن البكاء عيب، وإن الاعتذار هزيمة، وإن المرأة حين تطلب حقها لا تعود شريكة بل خصماً يجب تأديبه. بدأت في بيت يعلّم السيطرة ولا يعلّم الرحمة، وفي مدرسة تعلّم الحساب ولا تعلّم النجاة من الغضب، وفي منبر يتحدث كل جمعة عن أعداء الأمة البعيدين، بينما العدو الحقيقي يعود كل مساء إلى بيته، يخلع حذاءه على الباب، ثم يخلع إنسانيته على وجوه أطفاله باسم القوامة!

بدأت في عيادة نفسية غير موجودة أصلاً، لأننا ما زلنا نعامل الألم النفسي كفضيحة لا كمرض. وبدأت في محكمة تعرف كيف تحسب النفقة بالدينار، لكنها لا تعرف كيف تقرأ الخطر في عيني رجل يرى أبناءه جزءاً من ممتلكاته لا جزءاً من أمانته!

ثلاثة أطفال.

في الخامسة، والسابعة، والعاشرة.

أخذهم أبوهم من بيت أمهم كما يفعل كل أب في زيارة عادية. كانوا يعتقدون أنهم ذاهبون إلى فسحة صغيرة مع الرجل الذي تعلّموا أن الأمان يشبه صوته. ضحكوا في السيارة. ربما تشاجروا على المقعد الخلفي. ربما سأل أحدهم: متى سنعود إلى ماما؟ وربما طلب الآخر شيئاً من الطريق.

في تلك اللحظة، لم تكن المأساة في السكين.

كانت في الثقة!

فالطفل حين يمسك يد أبيه، لا يعرف أنه قد يكون يمسك آخر شيء في حياته.

الأطفال لا يعرفون أنهم في طريقهم إلى موتهم، لأن الأطفال لا يشكّون في الآباء!

وعند وصولهم إلى المزرعة، دخلوا بخفة البراءة نفسها، يظنون أن شيئاً جميلاً ينتظرهم. كانوا يرون في أبيهم جبلاً لا يميل، لا رجلاً يحمل خراباً داخلياً أكبر من البيت كله.

ثم رفع الأب السكين!

ليس الوجع الحقيقي أنهم ماتوا.

الوجع أنهم ماتوا وهم يعتقدون، حتى اللحظة الأخيرة، أن أباهم سينقذهم!

أن النداء الأخير لم يكن صراخ نجدة من قاتل مجهول، بل نداء طفل لأبيه الذي لم يفهم بعد أنه هو الخطر نفسه!

بعد أن انتهى مما انتهى إليه، أخرج هاتفه، صوّر ما فعل، وأرسل الصور إلى أمهم عبر واتساب.

لم يحتج إلى كلمات.

الصورة قالت كل شيء:

لن أقتلكِ أنتِ، لأن موتكِ راحة. سأقتل قلبك، وأترككِ حيّة بما يكفي لتتذكري.

هذه ليست جريمة غضب!

هذه رسالة!

والرسالة لا تُكتب إلا حين يكون صاحبها مقتنعاً أنه على حق.

في الرمثا، أم قتلت طفلتيها بالرصاص ثم أنهت حياتها. في الزرقاء، أب خنق طفلته وأرسل صورتها إلى أمها. في سيل الزرقاء، أب ألقى طفليه في الماء الجاري لأن زوجته طلبت ما يكفل لهم الخبز. سبع عشرة جريمة قتل أسرية في عام واحد فقط. عشرون ضحية. ثلاثة عشر منهم إناث. والبقية أطفال لم يفعلوا سوى أنهم وُلدوا في البيت الخطأ!

الإحصاء الرسمي يقول إن جرائم القتل انخفضت.

جميل.

لكن بعض الجرائم لا تُقاس بالعدد، بل بما تكشفه عن روح البلاد!

وحين يقتل الأب أبناءه بالطريقة نفسها، وللسبب نفسه، ويرسل الرسالة نفسها، مرة في الكرك ومرة في الزرقاء ومرة في الرمثا، فهذا ليس انحرافاً فردياً.

هذا نظام!

والنظام لا يصنعه مجنون واحد.

يصنعه عقل جماعي كامل!

المدرسة علّمته النجاح ولم تعلّمه الاحتواء.

الأسرة علّمته السلطة ولم تعلّمه الأبوة.

المجتمع علّمه أن الأطفال امتداد لاسمه لا أرواح مستقلة.

الثقافة علّمته أن النفقة ليست حقاً بل إهانة.

وفي عقل تشبّع بهذه الأكاذيب، المرأة التي تطلب نفقة أطفالها لا تُقرأ كامرأة تطالب بحق، بل كخصم يعلن هزيمة الرجل.

والرجل الذي تربّى على أن الرجولة سيطرة، لا يعتذر عن هزيمته.

ينتقم منها!

في الحكاية القديمة، جاءت امرأتان إلى القاضي تتنازعان طفلاً. اقترح أن يُشطر الطفل نصفين. صاحت واحدة فوراً: لا، أعطه لها، فقط دعه حيّاً. ومن صاحت، عُرفت أنها الأم.

لأن الأم الحقيقية لا تنتصر.

الأم الحقيقية تحمي!

أب الكرك لم يخشَ الشطر.

هو من أمسك السكين.

هو من شطر!

الفارق بين تلك الأم وهذا الأب ليس أخلاقياً فقط.

هو فارق حضاري كامل.

هي رأت روحاً مستقلة تستحق الحياة أكثر من انتصارها.

هو رأى أداة في حربه مع امرأة.

وهنا تقع الجريمة الحقيقية، قبل السكين بسنوات:

فكرة الملكية!

هؤلاء أولادي، إذن أملك مصيرهم.

هذه أخطر كذبة اجتماعية نعيشها.

الأطفال لا يُملكون!

الأطفال يُؤتمن عليهم!

لكننا ربّينا أجيالاً كاملة على أن الأب مالك لا حارس، ثم نتفاجأ حين يتصرف المالك كمالك!

النفقة ليست سبب الجريمة.

النفقة آخر عود ثقاب في مستودع بارود قديم.

ومع ذلك، لا أحد يريد أن يقترب من المستودع!

وزير العدل صامت.

وزيرة التنمية الاجتماعية صامتة.

المؤسسات تتصرف وكأننا أمام حادث سير، لا أمام إعلان إفلاس أخلاقي!

لأن الاعتراف الحقيقي مكلف!

الاعتراف يعني أن تقول إن الأب ليس مقدساً لمجرد أنه أب!

وأن البيت ليس آمناً لمجرد أن له باباً!

وأن بعض الأطفال يحتاجون حماية من داخل الأسرة، لا من خارجها!

وهذه جملة ثقيلة على مجتمع يحب صورة الأب أكثر مما يحب حقيقة الطفل!

لهذا نفضّل التشخيص المريح:

مريض نفسي.

مدمن.

مختل.

لأن هذه الكلمات تعفينا من السؤال الأخطر:

ماذا لو لم يكن مريضاً وحده؟

ماذا لو كان مجرد النسخة الصريحة من مرض اجتماعي نتقاسمه جميعاً؟

نفحص الدم ولا نفحص الغضب!

نبحث عن مرض وراثي في الخلايا، ولا نبحث عن عنف متوارث في التربية!

الأردن يجري لطالب الزواج فحص الثلاسيميا، لكنه لا يسأله:

هل تتعاطى ما يجعلك تضرب من تحب؟

هل تعرف كيف تغضب دون أن تقتل؟

هل أنت قادر على أن تكون أباً، لا مجرد ذكر أنجب؟

فحص المخدرات والصحة النفسية قبل الزواج ليس ترفاً!

هو أهم من كثير من الفحوصات التي نفخر بها!

لأن أثر الأب المدمن على أبنائه أشد من أثر فقر الدم!

ومن صنع ثلاثة توابيت صغيرة في الكرك لم يكن مرضه في الخلايا الحمراء!

ونحتاج أيضاً إلى قضاة شرعيين يفهمون روح الشريعة، لا مجرد نصوصها.

قضاة يعرفون أن الشريعة جاءت لحفظ النفس قبل حفظ صورة الرجل.

يسألون:

هل هذا الأب قادر فعلاً أم عاجز فعلاً؟

هل راتبه يكفي أم أننا نحاكم جيباً فارغاً ونطلب منه معجزة؟

هل يطلب الزيارة حباً أم بحثاً عن مسرح للجريمة؟

القاضي الذي يفرض نفقة لا تُحتمل ثم يترك الرجل ينهار، لا يحمي الأسرة بل يدفعها نحو الانفجار.

والقاضي الذي يتساهل مع قادر يتهرب من حق أطفاله، شريك في الجريمة أيضاً.

العدل ليس أن تنتصر المرأة دائماً.

ولا أن ينتصر الرجل دائماً.

العدل أن ينتصر الطفل دائماً!

هذه الجملة يجب أن تُكتب فوق أبواب المحاكم.

الأب الذي يقتل أبناءه يموت ثلاث مرات.

مرة حين يقرر.

ومرة حين يفعل.

ومرة حين يدرك أن ما كسره لن يعود.

لكنه ليس أول من يموت.

الأبوة تموت قبله!

في اللحظة التي يرفع فيها الأب يده على طفله، ينهار معنى الحماية نفسه.

ويصبح البيت مكاناً يحتاج الطفل أن ينجو منه، لا أن يعود إليه.

وحين يخاف الطفل من أبيه، تصبح الدولة كلها يتيمة!

هذه ليست استعارة.

هذه حقيقة سياسية كاملة.

المجتمع الذي يقدّس الأب أكثر من الطفل، لا يبني أسرة.

يبني مقبرة مؤجلة!

أنا لا أخاف من الرجل الذي قتل أبناءه في مزرعة الكرك.

أخاف من آلاف الرجال الذين لم يفعلوا بعد!

أخاف من الذي يقرأ هذا الآن ويشعر بالغضب من المقال أكثر من غضبه من الجريمة!

ممن يرى في طلب النفقة استفزازاً.

ممن يرى في استقلال المرأة وقاحة.

ممن يعتقد أن الأب إذا غضب، فله أن يزلزل البيت بمن فيه.

هنا يبدأ القتل الحقيقي!

ليس في المزرعة.

في الفكرة!

بعد شهرين، لن يتذكر أحد اسم الطفل الذي كان يخاف الظلام.

ولا الطفلة التي كانت تغطي أمها حين تمرض.

ولا الطفل الذي كان يريد أن يصبح طياراً.

لكننا يجب أن نتذكر شيئاً واحداً:

حين دفنّا أطفال الكرك، لم ندفن ثلاثة أطفال فقط.

دفنّا آخر كذبة جميلة قلناها عن أنفسنا.

أن الأسرة الأردنية بخير!

جبران قال:

أولادكم ليسوا لكم… أولادكم أبناء الحياة.

ولو رأى مزرعة الكرك، لكتب جملة أخرى:

أولادكم ليسوا لكم، لكنكم تصرّون على كسرهم كلما شعرتم أن الحياة لم تعد تطيعكم.

أما أنا فأقول:

الأردن لا يحتاج إلى سجون أكبر.

يحتاج إلى ضمائر أكبر.

لا يحتاج إلى محاكم أسرع.

يحتاج إلى قضاة يفهمون روح النصوص لا يحفظونها فقط.

لا يحتاج إلى قوانين أشد.

يحتاج إلى رجال أقل هشاشة.

لأن الرجل الذي تهزّه نفقة، ويهدمه رفض، ويقتله جرح كرامة متوهَّم، ليس رجلاً!

هو طفل كبير يحمل سكيناً!

والمشكلة ليست في الطفل الكبير الذي حمل السكين.

المشكلة في المجتمع الذي ربّاه، ثم وقف أمام الجريمة بدهشة مصطنعة وسأل:

من فعل هذا؟

نحن!

كلنا!

بصمتنا!

بمزاحنا الثقيل!

بتربيتنا المسمومة!

بخوفنا من مواجهة الحقيقة!

وبإصرارنا على حماية صورة الأب أكثر من حماية الطفل!

ولهذا، لا تسأل اليوم من قتل أطفال الكرك.

اسأل نفسك سؤالاً أكثر رعباً:

كم مرة كنت على بعد خطوة واحدة من أن تكون هو؟

لا تُجب.

الصمت هنا ليس هروباً.

الصمت هنا اعتراف!

مواضيع قد تعجبك