انس الطنطاوي المختص في برامج الانحراف السلوكي والجريمه.
...عندما أخذ الأب أطفاله الثلاثة؛ عبدالله (2016)، ولمار (2019)، وسراج (2021)، من منزل والدتهم متوجهاً بهم نحو المجهول ، كان الأطفال يعتقدون، بل ويجزمون، أنهم سيمضون وقتاً جميلاً مع والدهم، وكانت قلوبهم تمتلئ فرحاً.
وفي الطريق الطويل هناك سؤال لا يكاد يهدأ: كيف مرّ هذا المشهد على قلبه دون أن يتراجع؟ وكيف هذا القلب لم يرقّ لفرحهم ولضحكاتهم ولتعبيرهم له عن حبهم وكم كانوا مبسوطين وهم معه؟ كيف لم تتحرك داخله ذرة رحمة وهو يرى أمامه وجوهاً صغيرة لا تعرف من الدنيا إلا الأمان معه؟ ألم يطرق ذاكرته للحظة أنهم كانوا يوماً فرحته الأولى، وأن أصابعهم الصغيرة كانت تتشبث به بثقة كاملة؟ ألم تمر أمامه صورهم وهم يضحكون، يركضون نحوه، ينادونه بأبسط الكلمات وأصدقها؟
كيف غابت كل تلك التفاصيل التي لا تُنسى عن لحظة قرار لا يُحتمل؟
ماذا عن صباحاتهم البريئة، ضحكات العيد، ملابسهم الجديدة، وأسئلتهم البسيطة التي كانت تملأ البيت حياة؟ ماذا عن أول يوم مدرسة، وعيونهم التي كانت تبحث عنه بين الناس كأنه الأمان الوحيد في العالم؟
وعند وصولهم للمزرعة، كانت براءتهم ترسم لهم أن هناك رحلة ممتعة، وأن أشياء جميلة ومميزة تنتظرهم بداخلها؛ دخلوا بخطواتٍ تملؤها اللهفة، وعيونٍ تبحث عن الفرح في كل زاوية، غير مدركين أن المكان الذي انتظروا فيه المكافأة صار مقبرةً للأحلام.
يا وجع الأرض من أنفاسهم التي كانت تتسابق حباً، ومن براءتهم التي كانت ترى في أبيهم جبلاً لا يميل.. أيُّ صرخةٍ صامتةٍ تلك التي خنقت الفضاء حين انكسر الجبل فوق رؤوسهم؟ وكيف طاوعته يدٌ كانت يوماً تمسح دموعهم، أن تكون هي *"السكين التي تذبح الأمان"*؟
وحين وقعت الفاجعة… أي صمت هذا الذي خيّم على المشهد؟ وأي وجع هذا حين كان كل طفل منهم يلقى مصيره وينظر إلى مصير الآخر وهو ينادي "ماما" تختنق الحناجر بدموع الذهول يصرخون بالنداء الأخير الذي ظنوا أنه سينقذهم، في لحظة اغتيلت فيها الطفولة بدم بارد بينما كان العالم كله ينهار في لحظة لا تُغتفر.
انتهى الكلام هنا.. لأنني لو جمعت كل كلمات الكون فإنها لن تعبر.. لن تعبر.



