*
الاحد: 26 نيسان 2026
  • 26 نيسان 2026
  • 11:04
أكاديمية التاريخ لرقمنة المستقبل بذهنية السبعينيات
الكاتب: د. حمزه العكاليك

الأردنيون في جمعاتهم واجتماعاتهم وتعاليل السرايا والقرايا يحبون ان يستذكروا الماضي باعتبار ان الحياه كانت اجمل او ان الديمقراطية كانت احتراف سياسي وليس مراهقة سياسية او بحث عن مصالح لا ترقى الى حجم الوطن او توجيهات وسعي جلالة الملك لبناء دوله حديثة. وعليه فلم تلبث الحكومة الأردنية ان لبت هذه الرغبة بان عينت سبعيني يحمل شهادة الدكتوراه في التاريخ على راس اكاديمية مسؤولة عن تطوير القطاع العام باستخدام تكنولوجيات المستقبل. ففي الأردن يستخدم الذكاء الاصطناعي لإحياء التاريخ وبعث الحياه في الريادة الادارية وذلك من خلال الماضي العريق وليس من خلال نظريات ومهارات الإدارة الحديثة. 
ففي الأردن لا تحتاج إلى شهادة في الريادة والابتكار او قيادات متخصصة بقدر ما تحتاج إلى معرفة من يوصي لصانع القرار ليقع الاختيار فهو من يمدّ يده إلى زرّ التعيين ومن يوزّع المناصب كما توزَّع القهوة في بيت عزاء طويل. فالقصة ليست قصة أكاديمية جديدة ولا قصة تحديث ولا رقمنة. وانما اكاديمية للإدارة ولدت ميتة من الناحية الإصلاحية لكنها حية من الناحية التنفيعية. وليس ادل على ذلك من تعيين مؤرخ سبعيني لإدارة مؤسسة تسعى الى الريادة في تكنولوجيات المستقبل وهذا اعتراف رسمي بفشل مشروع تحديث القطاع العام وتحوله إلى مجرد شركة توظيف للنخبة المتنقلة بين المناصب.   
فالحكومة وهي ترفع شعار تحديث القطاع العام قررت أن تُدير المستقبل بعقلٍ يتصبب منه التاريخ الجميل. لتقول لنا إن الأكاديمية وُجدت لتأهيل الموظفين ولزرع الذكاء الاصطناعي في التربة الحكومية ولإنتاج جيل يفهم التحول الرقمي ثم تختار على رأسها شخصية من عالم التاريخ.  فالتاريخ مهم لكنه لا يصلح ليقود معركة الخوارزميات إلا إذا كان المطلوب أن يروي لنا المؤرخ كيف ضاع المستقبل قبل أن نصل إليه.
والمشكلة ليست في العمر ولا في الشهادة فقط، بل في المنطق الذي يقول للمواطن: اصمت فنحن نعرف ما نفعل وما عليك فقط هو دفع الضريبة لتمول قراراتنا. هنا يصبح التحديث مجرد ديكور ونحن نحب الديكور سواء مؤسسات او اشخاص والذكاء الاصطناعي صوره تاريخية تعلق على الحائط والتحول الرقمي شعارًا يلمع في المؤتمرات ثم يذوب عند التطبيق. 
ولأننا في بلد يحب أن يبتسم وهو يتلقى الصفعة فقد صار لدينا ما يشبه اقتصاد الترضيات؛ منصب هنا هيئة هناك أكاديمية هنا ومجلس أمناء هناك والنتيجة واحدة: تضخيم الهيكل تكبير الكراسي وتجميل الفشل بطلاء إداري جديد. فإذا تعثر مشروع لا مشكلة نغيّر الاسم. وإذا فشل معهد نحوله إلى أكاديمية. وإذا ضاقت الدائرة نضيف رتبة وراتب وزير. ويريدون منك أن تصدق أن الرجل المناسب وُضع في المكان المناسب بينما الشارع يرى أن المكان المناسب صُنع للرجل المناسب. فرق صغير في اللغة كبير في المعنى ومؤلم في النتيجة.
والمضحك المبكي أن الحكومة تعرف أن الناس تفهم لعبة الكراسي جيداً ومع ذلك تكررها بلا خجل. كأنها تقول: نعم نعلم أن القرار يثير الاستهجان لكننا سنمضي فيه لأن الصخب يهدأ والذاكرة قصيرة والظل طويل. وهذا بالضبط ما يجعل الغضب مشروعًا: ليس لأن التعيين خطأ فحسب بل لأن الخطأ صار عادة والاعتراض صار هامشًا والاعتياد على الاستفزاز صار سياسة عامة.
في النهاية لا يحتاج الأردني إلى أكاديمية جديدة بقدر ما يحتاج إلى دولة تحترم عقول الأردنيين. دولة تختار بالكفاءة لا بالعلاقة وبالقدرة لا بالظل وبالإنجاز لا بالتدوير. أما إذا ظللنا ندير المستقبل بعقلية توزيع الغنائم فسنكتشف متأخرين أننا بنينا أكاديميات كثيرة لكننا لم نبنِ احترامًا واحدًا للعقل. وعندها لن ينفعنا الذكاء الاصطناعي لأن أول ما سيفشل فيه هو فهم هذا النوع من الحكمة الحكومية: إذا أردت أن تُكافأ، تواصل مع الشبكة المناسبة.
وحين يسأل المواطن: من يحاسب؟ تأتيه الإجابة المعهودة: لا أحد فالمشهد مضبوط بإتقان والمخرج راضٍ والممثلون يعرفون أدوارهم والجمهور يُطلب منه فقط أن يصفق كثيرًا. 
هذا الوطنٍ عريقٍ في تاريخه راسخٍ في قيادته نُدين له بالولاء ونستمد من قيادته معنى العزم وطنٌ لم يُبنَ بالصمت ولا يستمرّ بالتصفيق بل بالمساءلة التي تصون هيبته وبالعدل الذي يحفظ توازنه وبالمسؤولية التي تُجسّد ثقة القائد بشعبه وثقة الشعب بدولته.
هذا الوطن ليس مجرد مكانٍ نسكنه بل عهدٌ يسكننا؛ نستنشق عزّه مع كل نفس ونحيا له قبل أن نحيا فيه.
 

مواضيع قد تعجبك