*
السبت: 25 نيسان 2026
  • 25 نيسان 2026
  • 14:07
تشديد الكرملين قبضته على الإنترنت يُؤجج سخط الروس

خبرني - بالقرب من قصر الكرملين، يصطف عشرات الأشخاص أمام مكتب الإدارة الرئاسية.

لقد جاؤوا لتقديم عرائض تطالب الرئيس، فلاديمير بوتين، بإنهاء حملة القمع على الإنترنت.

تُشدد السلطات الروسية قبضتها على الفضاء الإلكتروني للبلاد. تم تقييد الوصول إلى تطبيقات المراسلة العالمية، وهناك انقطاعات واسعة النطاق، بل وحتى إغلاقات، لخدمة الإنترنت عبر الهاتف المحمول.

تقديم العرائض للرئيس أمر قانوني، لكن في دولة استبدادية يُعد هذا بمثابة مخاطرة كبيرة.

من الجهة المقابلة للشارع، يقوم رجال الأمن بتصوير مقدمي الالتماس - وتصويرنا نحن (الصحفيين) أيضاً.

سألتُ يوليا، وهي تقف في الطابور: "ألا تشعرين بالخوف؟"، أجابت: "أشعر بخوف شديد، فأنا أرتجف".

أقر بوتين بالاضطراب (في خدمات الإنترنت)، واصفاً إياه بأنه مرتبط بـ "عمليات لمنع الهجمات الإرهابية"، مع أنه يقول إنه أصدر تعليماته للمسؤولين بالسماح بـ "استمرار عمل" خدمات الإنترنت الأساسية دون انقطاع.

تشرح يوليا، صاحبة شركة توريد أغذية جاهزة، كيف أثرت محاولات فرض رقابة على الإنترنت على عملها.

تقول: "في الآونة الأخيرة، لم يكن موقعنا الإلكتروني متاحاً في بعض الأحيان. لم نتمكن من تحقيق أي إيرادات".

وتضيف: "نخسر المال في كل مرة يُحجب فيها الإنترنت، أو تطبيقات المراسلة مثل تليغرام وواتساب. شركتي قائمة بالكامل على الإنترنت، وبدونه لن يكون لها وجود بهذا الشكل".

يصرّ المسؤولون الروس على أن القيود المفروضة على الاتصالات تصبّ في مصلحة الأمن العام. ويزعمون أن انقطاع الإنترنت عبر الهاتف المحمول يُربك طائرات الهجوم الأوكرانية المسيّرة، مع أن هذه الهجمات استمرت حتى في المناطق التي قُطع فيها الإنترنت.

تتهم السلطات تطبيقات المراسلة العالمية بتجاهل قوانين حماية البيانات الروسية. وقد فُرضت قيود مشددة على الوصول إلى واتساب وتليغرام. في الوقت نفسه، تستهدف الجهات التنظيمية الحكومية شبكات VPN، وهي شبكات افتراضية خاصة تُستخدم للتحايل على القيود.

وفي إطار مساعي الحكومة نحو "إنترنت سيادي"، تُروّج لتطبيق مراسلة روسي مدعوم من الدولة يُدعى MAX.

لكن الرأي العام متشكك.

يقول عضو البرلمان السابق بوريس ناديزدين، الذي سبق له الترشح ضد بوتين في الانتخابات الرئاسية: "يعتقد الكثيرون أن هذا التطبيق قد تم إنشاؤه خصيصاً من قبل الحكومة لمراقبة رسائلنا".

علاوة على ذلك، في أجزاء كثيرة من روسيا، تقتصر المواقع والخدمات التي تُفتح على الهواتف المحمولة على تلك التي تُقرّها الحكومة.

يبدو الأمر وكأن "ستاراً حديدياً" رقمياً يُبنى.

يقول الصحفي أندريه كوليسنيكوف، من صحيفة نوفايا غازيتا المعارضة: "الفكرة هي عزل روسيا عن العالم الخارجي"، لاعتقادهم بأن "هذا العالم سامٌّ لعقول الروس".

ويضيف: "لطالما كانت روسيا معزولة، وخاصة عن الغرب، الذي كان يُعتبر مصدراً لـ "الأفكار الثورية الليبرالية السيئة". لطالما كان الوضع هكذا".

ومع ذلك، فقد احتضن الروس العصر الرقمي والإنترنت إلى حد كبير، لدرجة أن القيود والاضطرابات الإلكترونية شكلت صدمة لهم.

توضح الناشطة يوليا غريكوفا قائلة: "الأمر لا يتعلق بحرية التعبير بقدر ما يتعلق بالعادة".

وتضيف: "لقد اعتاد الناس على دفع ثمن الأشياء وطلب سيارات الأجرة عبر هواتفهم المحمولة. يجلسون في الحافلة يراسلون أصدقاءهم. قلّما تجد شخصاً لا يستخدم الإنترنت عبر الهاتف المحمول للعمل، والخدمات العامة والتواصل مع العائلة. لهذا السبب هناك رد فعل غاضب. الجميع متضرر".

أتحدث إلى يوليا غريكوفا في بلدة "فلاديمير"، على بُعد 190 كيلومتراً من موسكو. لقد حاولت مؤخراً تنظيم مسيرة هنا احتجاجاً على قيود الإنترنت.

تقول: "تقدمنا بطلب إلى السلطات المحلية، واقترحنا عدة خيارات لمكان إقامة الفعالية. فأجابوا بأن ذلك غير ممكن، لأنهم سيقومون بتنظيف الشوارع في جميع المواقع الأحد عشر المقترحة في التاريخ الذي طلبناه".

عرضت البلدية مكاناً ووقتاً بديلين، لكنهم قالوا لاحقاً إن ذلك غير ممكن أيضاً، بسبب خطر هجوم بطائرة مسيرة أوكرانية.

ثم زارت الشرطة يوليا وحذرتها من التظاهر.

تقول: "جاؤوا إلى مكان عملي. سيارة شرطة وثلاثة أشخاص. قاموا بتصويري وأنا أوقع على الإنذار الرسمي من المدعي العام. شعرتُ وكأنني إرهابية".

لقد رُفضت طلبات مماثلة لتنظيم احتجاجات عامة في عشرات المدن والبلدات الروسية. في منطقة موسكو، عزت السلطات المحلية ذلك إلى مخاوف من فيروس كورونا. وادعى مسؤولون في مدينة "بينزا" أنه لا يمكن تنظيم أي مسيرات، بسبب فعاليات دورة تدريبية للتزلج على العجلات في الموقع المطلوب.

في وسط بلدة "فلاديمير"، أتفقد هاتفي. تطبيق حجز سيارات الأجرة يعمل، ويمكنني الوصول إلى وسائل الإعلام الحكومية. لكن عمليات البحث على محرك غوغل لا تعمل. ومواقع الأخبار المستقلة لا تُحمّل".

تقول ماريا، التي تتنزه مع طفلها: "أصبح التواصل أصعب بكثير. نريد أن نكون على اطلاع دائم بآخر الأخبار والاتجاهات. لكننا نتخلف عن الركب".

لكن كلما طال حديثنا، بدا أن ماريا أقل رغبةً في الحصول على معلومات حديثة.

تخبرني: "في الماضي، عندما لم يكن هناك إنترنت، بدا العالم مكاناً أكثر إشراقاً، لأننا كنا نعرف أقل".

أما بالنسبة لحرب روسيا على أوكرانيا، فتقول ماريا: "أحاول تجنب هذا النوع من الأخبار. لا أريد أن أملأ رأسي بها. لقد سئمنا من أخبار القتل".

يقول دينيس: "هذا الأمر (القيود المفروضة على الإنترنت) يُسبب مشاكل يومية. اليوم لم أتمكن من دفع ثمن البنزين، ونظام الملاحة الخاص بي (تطبيق جي بي إس) يُعاني من خلل".

يخبرني ألكسندر: "الناس مستاؤون، وخاصة أصحاب المشاريع الصغيرة. إنهم يفقدون زبائنهم عندما لا يتمكنون من الوصول إلى الإنترنت".

تقول يوليا غريكوفا: "نشعر وكأننا نتراجع إلى الوراء، ونعود إلى الماضي".

هل حملة روسيا على الإنترنت عودة إلى الماضي؟

يؤكد لي المتحدث باسم بوتين، ديمتري بيسكوف، في موسكو: "لا، ليس كذلك".

ويتابع بيسكوف: "في الوضع الراهن، تُملي الاعتبارات الأمنية الحاجة إلى اتخاذ تدابير معينة. هذه التدابير تُتخذ، ومعظم مواطنينا يُدركون ضرورتها".

ويضيف: "من الواضح أن القيود المفروضة على الإنترنت تُسبب إزعاجاً للكثيرين. لكن هذه هي المرحلة التي نمر بها. وبمجرد زوال الحاجة إلى هذه الإجراءات، ستُستأنف الخدمات بالكامل وتعود إلى طبيعتها".

لكن القمع والقيود بدأت تُصبح بمثابة الوضع الطبيعي الجديد.

ويختتم الصحفي أندريه كوليسنيكوف قائلاً: "لا أعتقد أن هذا النظام مستعد للتراجع. لا يُمكنهم إلا المضي قدماً في المزيد من القمع".

ويضيف: "ما يُضر بالسلطات هو تراكم السخط، وقد يتجلى ذلك في المستقبل. لا نعلم كيف سيكون شكله. لكن من الواضح أن الاستياء والسخط يتراكمان".

نشرت المدونة الروسية الشهيرة، فيكتوريا بونيا، مؤخراً "خطاباً إلى الرئيس الروسي" على إنستغرام، انتقدت فيه حملة التضييق على الإنترنت، وغيرها من القضايا المثيرة للجدل في روسيا.

انتشر الفيديو انتشاراً واسعاً، وحصد عشرات الملايين من المشاهدات. لم تُلقِ فيكتوريا بونيا باللوم على بوتين مباشرةً في خطابها، لكنها قالت له: "هناك جدار سميك وضخم بينك وبيننا، نحن عامة الناس".

يوم الخميس، ادعى زعيم الكرملين أنه لا يسعه إلا أن "يولي اهتماماً" بالمشاكل التي يعاني منها الروس، نتيجة انقطاع الإنترنت. وأصدر تعليماته لأجهزة إنفاذ القانون بإظهار "الإبداع والمهنية"، و"مراعاة المصالح الحيوية للمواطنين".

لم يكن هذا تراجعاً من بوتين، ولم يُلمح إلى أي نية لإنهاء القيود.

تشير استطلاعات الرأي الأخيرة في روسيا إلى أن شعبيته انخفضت إلى أدنى مستوى لها، منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا عام 2022.

لا تقتصر أسباب القلق العام على القيود المفروضة على الإنترنت فحسب، بل يشعر الروس بالقلق أيضاً بشأن الاقتصاد، ويتزايد الإرهاق من الحرب على أوكرانيا.

يقول لي بوريس ناديزدين: "بدأ الناس يدركون وجود صلة مباشرة بين مشاكلهم اليومية، مثل الرعاية الصحية وأسعار المواد الغذائية ومشاكل الإنترنت، وسياسات فلاديمير بوتين".

ويضيف: "وهذا وضع جديد في روسيا".

بعد أن قدمت عريضتها إلى الإدارة الرئاسية، عادت يوليا إلى عملها، حيث تخبز الخبز في شركة توريد الأغذية الخاصة بها.

لقد اتخذت موقفاً، لكنها غير متأكدة بالمرة من أنه سيُحدث فرقاً. وهي تُفكّر بالفعل في كيفية التكيف مع القيود المفروضة على الإنترنت. وتخبرني أن الروس لديهم خبرة واسعة في التكيف مع التغييرات الكبرى.

تقول: "كان جدّي الأكبر أكثر ثراءً من المتوسط. في قرية سوفيتية، كان ذلك يُعتبر خطيئة. صودرت ممتلكاته ونُقل إلى سيبيريا. لكن عائلته تكيفت مع الوضع الجديد".

وتضيف: "عاش والداي مرحلة انهيار الاتحاد السوفيتي: وتكيفا مع اقتصاد السوق. الآن حان دوري للتكيف. ثم سيأتي دور ابنتي".

كيف ترى يوليا تطورات الوضع في روسيا؟

تقول: "لا يُذكر المستقبل أبداً في أحاديثنا اليومية مع الأصدقاء والأقارب. الأمر أشبه بـ: ماذا سنفعل بعد ثلاثة أيام، بعد أسبوع، بعد شهر؟ لا شيء أكثر من شهر".

وكما هو الحال مع الخبز الذي أراه ينتفخ في الفرن (في مطبخ شركة يوليا)، ينتشر في أنحاء روسيا شعور عميق بعدم اليقين.

 

bbc-logo

مواضيع قد تعجبك