حسب معلوماتي ، التي تراكمت نتيجة متابعاتي الجادة لأصحاب الإختصاص المتميزين ، المشهود لهم بالمصداقية ، طيلة عقودٍ طويلة مضت ، ان وطني الحبيب ( لا يعاني من شُحِّ في الموارد ) ، أبداً ، بل ( يعاني من شُحٍّ في المياة ) اذا إستثنينا المياة الجوفية العميقة ، او المياة السحيقة ( Deep Water ) ، التي تقع على أعماقٍ سحيقة تصل الى ( ١٥٠٠ ) متر في أعماق الأرض .
أما الموارد الطبيعية الأخرى فإن العديد من الخبراء والمختصين أكدوا ، غير مرة ، بأن الأردن يزخر بثروات طبيعية عديدة ، أذكر منها : النفط ، والغاز ، والسيليكون ، والنحاس ، والذهب ، واليورانيوم ، والحديد ، وغيرها من الثروات الطبيعية التي ( لم ) يتم إستغلالها ، وربما ( لن ) يتم إستغلالها ، لأن السماح بإستغلالها مرتبط بحل القضية الفلسطينية ، حتى يبقى الأردن في ضيق وعوز ، الى ما شاء الله . كما تحتوي مياه البحر الميت على ( ٢١ ) معدناً ، لم يتم إستغلالها ، حيث تم إستغلال البوتاس والبرومين فقط . ولتأكيد ذلك فإن مبيعات شركة ( Dead Sea Works ) غربي البحر الميت ، بلغت عام ٢٠٠٥ ، ( ٣ ) مليارات دولار ، واتوقع انها الآن تجاوزت ال ( ٦ ) مليارات دولار .
وللتأكيد أُكرر ما ذكرته غير مرة ، بإنني التقيت عالم الفضاء العربي الأصل ، الدكتور / فاروق الباز ، في أبوظبي عام ١٩٧٨ ، في محاضرة علمية . وعندما سألته سؤالاً جريئاً ، تَحفَّظَ ، ولم يُجبني أمام الحضور ، وطلب ان التقيه بعد المحاضرة ، والتقيته ، وللإختصار : أكد لي ان الأردن لديه ثروات طبيعية عديدة منها النفط ، وانه طلب من رواد الفضاء تصوير كافة أقطار الوطن العربي ومنها الأردن ، وان الصور الطبوغرافية اكدت ذلك ، وأكد انه زار الأردن وسلّم ما لديه من خرائط وبيانات الى الجهة المسؤولة . كما اكد على وفرة المياة في الأردن وقال : هناك بحرين متلاطمي الأمواج ، واحد في منطقة الديسي — وتم إكتشافه بعد ( ١٠ ) سنوات — وآخر يقع بين منطقتي القطرانة وأرينبة .
والآن ، نلمس ان هناك تحركاً حكومياً ، يُثلج الصدر للتخفيف من معاناتنا من شُحّ المياة . وتتمثل تلك الإجراءات بحلول ناجعة ، بإذن الله ، وهي :—
١ )) التفاهم مع الشقيقة سوريا للحصول على حصة عادلة للأردن من مياة نهر اليرموك ، وسد الوحدة :— حيث أطلقا رسمياً قبل أيام ، ( منصة المياة المشتركة ) ، و ( تحديث الدراسة الهيدروسياسية لنهر اليرموك ) . ويهدف الإتفاق الى ضمان تقاسم عادل لمياة حوض اليرموك ، وتفعيل إتفاقيات سابقة لتعزيز الأمن المائي ، خاصة فيما يتعلق بضمان حصة الأردن من مياة سد الوحدة ، الذي يتسع ل( ١١٥ ) مليون متر مكعب ، في خطوة لتعزيز التعاون الفني وإدارة ملف المياة كأولوية إستراتيجية .
٢ )) تدشين مشروع الناقل الوطني :— وهو مشروع هام جداً لمعالجة شُحّ المياة في الوطن ، حيث سيتم تحلية ( ٣٠٠ ) مليون متر مكعب من المياة المُحلاة من البحر الأحمر في العقبة ، ونقلها الى عمّان ، على خط أنابيب يصل طوله الى ( ٤٥٠ ) كم ، وسوف يوفر حوالي ( ٤٠٪ ) من إحتياجات مياة الشُرب في المملكة ، عندما يبدأ ضخ المياة في عام ٢٠٣٠ ، وهو يحتل أولوية قصوى لتعزيز الأمن المائي الوطني . رغم كلفته العالية التي تبلغ ( ٥,٨ ) مليار دولار ، ورغم الكلفة العالية للمتر المكعب من المياة
حيث تبلغ ( ٢,٧ ) دولار للمتر المكعب الواحد .
٣ )) الفاقد المائي :— يا ليتنا نلتفت الى تقليل الفاقد من المياة الذي يقدر بحوالي ( ٢٠٠ ) مليون متر مكعب سنوياً ، والذي ينتج عن سببين : أولهما : إهتراء الشبكات ، وثانيهما : السرقات والإعتداءات .
أرجو من القراء الكرام ان يأملوا ، ويتمنوا ، ويحلموا معي كيف سيكون الوضع المائي لوطننا الحبيب بعد ( ٤ ) سنوات ، فيما لو انجزنا اتفاقاً مع الشقيقة سوريا ، وحصلنا على حوالي ( ٦٠ ) مليون متر مكعب . وانجزنا الناقل الوطني وحصلنا على ( ٣٠٠ ) مليون متر مكعب من المياة ، وعملنا بجد واهتمام لتقليل نسبة الفاقد ولو للنصف ، وحصلنا على ( ١٠٠ ) مليون متر مكعب من المياة ، وسعة السدود الأحد عشر الرئيسية تبلغ حوالي ( ٣٢٥ ) مليون متر مكعب ، هذا عدا عن ما تنتجه الآبار ، وما تحتويه الحفائر الترابية التي يزيد عددها عن ( ٦٣٠ ) سداً وحفيرة ترابية سعتها حوالي ( ٥٠ ) مليون متر مكعب من المياة .
وبهذا يكون الإجمالي التقديري السنوي للمياة في الأردن كما يلي :—
٦٠م من سوريا + ٣٠٠ م الناقل الوطني + ١٠٠ م من تخفيض الفاقد + ٣٢٥م سعة السدود + ٥٠ م سعة الحفائر = ٨٤٥ مليون متر مكعب الكمية الإجمالية .
تصوروا لو أصبحت الكمية الإجمالية للمياة حوالي ( ٨٣٥ ) مليون متر مكعب ، هذا عدا عن المصادر المائية الأخرى كالآبار وغيرها . ويستهلك الأردن حوالي ( ١٠٥٣ ) مليون متر مكعب من المياة سنوياً لكافة القطاعات مثل : مياة الشرب ، ومياة لغايات الزراعة ، ومياة لغايات الصناعة .
ولو حصل ذلك ستصبح حصة الفرد من المياة سنوياً حوالي ( ١٠٥ ) متراً مكعباً ، بدلاً من ( ٦١ ) متراً وبمرتبة ثاني افقر دولة مائياً في العالم ، ويتوقع تراجعها الى ( ٤٣ ) متر مكعب سنوياً . في حين ان حصة الفرد من المياة المعتمدة عالمياً هي ( ٥٠٠ ) متر مكعب سنوياً . كما توقع متخصصون ان ينتج عن الناقل الوطني لوحده تغير مدة الضخ من ( ١ ) يوم في الاسبوع الى ( ٣ ) أيام اسبوعياً ، وهذه نقلة جيدة جداً .
معاناة الأردن مائياً ناتجة عن ( اسباب داخلية ) متمثلة في عدم الإلتفات لتفاقم المشكلة مبكراً ، وإيجاد حلول استراتيجية . كما ان هناك ( أسباباً خارجية ) تعود الى الهجرات العديدة التي عانى منها الأردن عندما يلوذ به الأشقاء هرباً من الحروب ، والإقتتال الداخلي .
المشكلة انني عِشت حياة القرية في زحوم / الكرك ، مسقط رأسي عندما كنا نعتمد على ( البئر ) التجميعي للمياة ، قبل ان يصلنا الماء بواسطة الأنابيب . ثم انتقلت للدراسة في العراق العظيم ، وعشت حياة الوفرة المائية . كما عشت البحبوحة المائية في ابوظبي لمدة ( ٢٠ ) عاماً متصلة حيث ضخ المياة لا ينقطع .
وعدت للفقر والشح المائي منذ ( ٣١ ) عاماً عندما عدت لوطني للاستقرار فيه . آملاً ان اعود لتجريب الوفرة المائية ثانية . وآمل ان ينتقل وطني من حالة ( الشُحّ ) المائي الى ( الوفرة ) او ( البحبوحة ) المائية . آملاً ان أشهد هذا اليوم قبل ان أُستدعى الى الرفيق الأعلى سبحانه وتعالى .
دعونا نأمل ، لأنه ليس أمامنا الا الأمل . وأختم ببيتٍ للشاعر / مؤيد الدين أبو إسماعيل الحسين بن علي بن محمد الطغرائي الأصفهاني ، حيث يقول :—
أُعَلِّلُ النفسَ بالآمالِ أَرْقُبُها / ما أَضيقَ العيشَ لولا فُسحةُ الأمَلِ .



