خبرني - مع اقتراب رحيله عن قيادة «أبل»، يترك تيم كوك إرثا استثنائيا من النمو وتعظيم القيمة، رغم محدودية الابتكار الثوري، بعدما قاد الشركة لتصبح واحدة من أقوى الكيانات الاقتصادية عالميا.
كان تيم كوك، خلال فترة رئاسته لشركة «أبل»، أشبه بـ"رئيس دولة لا رئيس شركة"، بحسب جين مونستر من شركة «ديب ووتر» لإدارة الأصول.
ويُعد ستيف جوبز، سلف كوك، أحد أبرز رواد ابتكار المنتجات في التاريخ الأمريكي الحديث، إلا أن الدور تغير بشكل جذري منذ تنحي جوبز عن منصبه عام 2011، قبيل وفاته بمرض السرطان، عندما عيّن كوك خلفا له.
ومع اقتراب نهاية ولايته كرئيس تنفيذي في الأول من سبتمبر/أيلول، يخلّف كوك إرثًا ضخمًا من خلق القيمة، إذ ارتفعت القيمة السوقية لشركة «أبل» من نحو 350 مليار دولار إلى 4 تريليونات دولار خلال فترة قيادته، رغم أن منتجات الشركة اتسمت بالتطوير التدريجي أكثر من الابتكار الثوري على مدار 15 عامًا.
ووفقًا لصحيفة «نيويورك تايمز»، لم يكن مفاجئًا أن يسلّم كوك، البالغ من العمر 65 عامًا، القيادة إلى جون تيرنوس، الرئيس التنفيذي السابق لقسم الأجهزة.
وسلّطت وسائل إعلام عدة الضوء على تيرنوس في الأشهر الأخيرة، حيث نشرت «نيويورك تايمز» في يناير/كانون الثاني مقالًا بعنوان: "الرجل الذي قد يكون الرئيس التنفيذي القادم لشركة أبل".
ورغم ذلك، تأتي هذه الخطوة قبل نحو عامين من التوقعات، بحسب مونستر، الشريك الإداري في «ديب ووتر».
وأضاف مونستر أن كوك تعامل بمهارة مع سياسات الرسوم الجمركية خلال إدارة دونالد ترامب، التي شكّلت تهديدًا مباشرًا لـ«أبل» بسبب اعتمادها الكبير على الصين في التصنيع.
ولم تتراجع أسهم «أبل» منذ بداية الولاية الثانية لترامب في يناير/كانون الثاني 2025، بل ارتفعت بنحو 20%، كما حرص كوك على الحفاظ على علاقات إيجابية مع الإدارة الأمريكية، بما يخدم مصالح الشركة.
وفي أغسطس/آب، شارك كوك ترامب في فعالية داخل المكتب البيضاوي للإعلان عن استثمار «أبل» 100 مليار دولار في الصناعة الأمريكية، وقدم للرئيس لوحة تذكارية من الذهب والزجاج.
وبحسب شبكة «سي إن بي سي»، قال كوك خلال الفعالية: "شكرًا لكم جميعًا، وشكرًا لك، أيها الرئيس ترامب، على وضع الابتكار الأمريكي وفرص العمل في صميم اهتمامك".
وبذلك ارتفع إجمالي استثمارات «أبل» المخطط لها داخل الولايات المتحدة إلى 600 مليار دولار خلال خمس سنوات.
وقد جنى المستثمرون ثمار ثقتهم بكوك، إذ ارتفعت قيمة أسهم «أبل» بنحو 20 ضعفًا منذ توليه المنصب، مقارنة بارتفاع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنحو ستة أضعاف خلال الفترة ذاتها.
القيادة التشغيلية
ويرى محللون وخبراء أن نجاح كوك يعود إلى دقته التشغيلية وانضباطه المالي أكثر من ابتكاراته في المنتجات، في تباين واضح مع نهج ستيف جوبز.
وقال الشريك الإداري في شركة «بويدن» للاستشارات القيادية، ريك وارغو، إن كوك سيُذكر بقيادته التشغيلية المتميزة، التي أسهمت في توسيع نطاق أعمال «أبل» عالميًا، وتعزيز خدماتها، وتقوية سلاسل التوريد، وزيادة تركيزها على المساهمين.
وتضاعفت إيرادات «أبل» نحو أربع مرات خلال فترة قيادته، لتتجاوز 400 مليار دولار في السنة المالية الأخيرة. ويُعرف كوك في وادي السيليكون بمهاراته التشغيلية، حيث أعاد هيكلة سلسلة التوريد منذ انضمامه عام 1998 كنائب للرئيس للعمليات.
وعندما انضم، كانت «أبل» على حافة الإفلاس، قبل أن يصبح لاحقًا أحد أبرز مساعدي جوبز، ويُرقّى إلى منصب رئيس العمليات في 2005، قبل إطلاق «آيفون» بعامين.
واستفاد كوك من النجاح المستمر لهاتف «آيفون»، الذي حافظ على هيمنته لنحو عقدين في سوق الهواتف الذكية.
كما يُنسب إليه الفضل في تنويع أعمال «أبل»، مستفيدًا من قاعدة مستخدمين ضخمة تبلغ حاليًا نحو 2.5 مليار جهاز نشط حول العالم.
في عام 2014، أطلق كوك «ساعة أبل»، واصفًا إياها بأنها "أكثر منتج شخصي صنعته الشركة". تلتها سماعات AirPods في 2016.
ورغم دخول «أبل» إلى أسواق مألوفة، نجحت في فرض أسعار أعلى بفضل التكامل مع نظام «آيفون» وتقديم تحسينات نوعية.
وتجاوزت إيرادات الأجهزة القابلة للارتداء 41 مليار دولار في 2022، لكنها واجهت صعوبات لاحقًا بسبب المنافسة وضعف الابتكار، إلى جانب عدم نجاح جهاز Vision Pro في تحقيق انتشار واسع، نظرًا لارتفاع سعره البالغ 3500 دولار مقارنة بمنافسين أرخص.
وانخفضت إيرادات هذا القطاع بنسبة 4% في 2025 إلى 35.7 مليار دولار، بما يمثل 8.6% من إجمالي الإيرادات.
كما تواجه «أبل» منافسة في الأجهزة من المصمم الشهير جوني آيف، الذي انضم إلى شركة OpenAI بعد استحواذها على شركته الناشئة بأكثر من 6 مليارات دولار. وكان آيف قد صمم أجهزة iPod وiPhone وiPad وMacBook Air، وغادر «أبل» في 2019.
خلال فترة كوك، حظي توجه الشركة نحو الخدمات بدعم كبير من المستثمرين، نظرًا لهوامش الربح المرتفعة مقارنة بالأجهزة.
وبعد سنوات من الاستقرار عند هامش ربح 38%، ارتفع إلى 48% في الربع الأخير.
وسجل قطاع الخدمات نموًا قويًا، إذ ارتفعت الإيرادات بنسبة 14% في 2025 لتصل إلى 109.2 مليار دولار، ما يمثل 26% من إجمالي المبيعات.
وتشمل هذه الخدمات الإعلانات، والحوسبة السحابية، والمحتوى الرقمي، والمدفوعات، حيث نجح كوك في زيادة إنفاق مستخدمي «آيفون» عبر اشتراكات مثل Apple TV وApple Care، إلى جانب خدمات الدفع.
وقال نيتين سيث، الرئيس التنفيذي لشركة «إنسيدو»، إن قوة «أبل» في عهد كوك تكمن في قدرتها على دمج الأجهزة والبرمجيات والخدمات بسلاسة، لتقديم تجربة متكاملة تظل أحد أبرز عوامل تميز الشركة عالميًا.



