خبرني - مع تمديد واشنطن للهدنة دون تحديد سقف زمني، ورفض طهران الانخراط في أي محادثات سياسية، تتصاعد التساؤلات حول المسار الذي ستتخذه المواجهة المقبلة بين الطرفين.
وبينما تراهن الولايات المتحدة على استمرار الضغوط الاقتصادية والعسكرية لإضعاف النظام الإيراني، تبدو إيران متمسكة بموقفها الرافض، معوّلة على قدرة صمودها داخليا، وإيجاد أوراق ضغط جديدة في مضيق هرمز.
هذا المشهد، يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيدا في شكل الحرب الراهنة بين أميركا وكيان الاحتلال الصهيوني وإيران، إذ تتداخل الحسابات الإقليمية والدولية، وتبقى المنطقة أمام احتمالات مفتوحة بين التصعيد العسكري أو البحث عن تسوية سياسية.
"الخطة البديلة" الأميركية
وتعليقا على ذلك، قال أستاذ علم الاجتماع السياسي في الجامعة الألمانية الأردنية د. بدر الماضي إن عدم انعقاد المحادثات كما كان مخططا، شكل مفاجأة، خاصة وأن الحاجة إليها وتحديدا من الجانب الإيراني، بالغة الحساسية والضرورة لإنهاء هذا الملف.
ويكمن جوهر الإجابة عن سؤال "إلى أين تتجه الأمور؟" في إدراك كل طرف حجم المصالح التي يمكن أن يجنيها من استمرار الحرب، أو من توقيع هدنة أو اتفاقية سلام بين الطرفين. مؤكدا أن الولايات المتحدة توصلت إلى قناعة بعد كل ما جرى، بأن إيران غير مستعدة للقبول بما تطرحه واشنطن من شروط.
لكن هذا الرفض الإيراني، لا يعني بالضرورة العودة إلى الحرب، بل يفتح الباب أمام خيار آخر يتمثل بإضعاف النظام الإيراني عبر ما وصفه بـ"المشروع الهجين"، الذي يقوم على التلويح المستمر بالعملية العسكرية، مقرونا بحصار اقتصادي قاسٍ، يستهدف زعزعة البنية الداخلية للنظام الإيراني وإفقاده أدوات البقاء والاستمرارية.
وأضاف الماضي، أن هذا الحصار البحري والاقتصادي سيؤدي لتعطيل الموانئ الإيرانية، وتعميق الأزمة المالية، في ظل غياب فرص حقيقية لتدخل الصين أو روسيا لمساعدة طهران. وبرغم ما سيترتب على ذلك من انعكاسات سلبية على الاقتصاد العالمي، بخاصة على الصين، إلا أن التقديرات الأميركية، تشير إلى أن إضعاف النظام الإيراني عبر هذا المسار، لن يستغرق سنوات طويلة، بل فترة محدودة في ظل حالة التململ الداخلي التي يعيشها الإيرانيون.
وأشار الماضي، إلى أن الإيرانيين، يدركون تماما أن واشنطن تدفعهم نحو حافة خطرة، لا يرغب النظام بالوصول إليها، وهو النظام الذي بنى نفسه طوال 47 عاما في إطار ديني أيديولوجي صلب اخترق العالم العربي، واستثمر في القضية الفلسطينية والاستقرار الإقليمي، لتعزيز مكانته، كما عزز قوته داخل الدولة على حساب مؤسساتها. مبينا أن أي تنازل يقدمه النظام للولايات المتحدة، سيُفسر داخليا على أنه ضعف، وقد يقود لانهيار قاعدته الشعبية.
وشدد الماضي، على أن إيران لن تقبل بسهولة ما تريده واشنطن، حتى مع ضغوط الوسطاء والأصدقاء، ما قد يدفع النظام لخيار أشبه بـ"الانتحار السياسي"، عبر رفض الشروط الأمريكية، ما سيترتب عليه ثمن باهظ، يدفعه النظام والشعب الإيراني معا، ويجعل المجتمع الإيراني عرضة لاضطرابات سياسية واقتصادية واجتماعية وديموغرافية عميقة.
3 سيناريوهات محتملة للأزمة
رئيس الجمعية الأردنية للعلوم السياسية د. خالد شنيكات، إن المشهد الحالي يمكن قراءته عبر 3 سيناريوهات، الأول يتثمل باستمرار الوضع الحالي، أي حالة "اللا حرب واللا سلام"، بحيث لا اتفاق ولا مواجهة شاملة. مؤكدا أن هذا الخيار يرتبط بعدم قدرة الولايات المتحدة على شن حرب مباشرة ضد إيران، نظرا للمخاطر العالية وضعف التأييد الداخلي، بحيث لا تتجاوز شعبية الرئيس الأميركي دونالد ترامب الـ36 %، فضلا عن عدم ضمان نتائج الحرب.
وبين شنيكات، انه استمرار الوضع الحالي، يبقى الخيار الأكثر ترجيحا، مع إمكانية حشد عسكري وتكديس الأسلحة تحسبا للانتقال إلى خيار آخر. مضيفا أن أبرز ملامح هذا السيناريو، تتبلور باستمرار الحصار الأميركي المحكم على إيران، ما قد يدفعها في نهاية المطاف لتقديم تنازلات. غير أن هذا الحصار ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي، بخاصة في حال إغلاق مضيق هرمز، ما سيجعل حلفاء واشنطن سواء في الخليج أو أوروبا أو شرق آسيا، يمارسون ضغوطا على الإدارة الأميركية للبحث عن حلول، لما يشكله ذلك من تهديد لإمدادات الطاقة.
وأوضح أن هذا المسار يعتمد على "النفس الطويل"، بحيث قد يؤدي الحصار القاتل لاستسلام إيران، لكنه يبقى رهنا بمتغيرات أساسية، أبرزها الموقف الصيني الذي قد يتضح خلال زيارة ترامب إلى العاصمة الصينية بكين، بحيث قد تدخل قضية تايوان ضمن تفاصيل أي صفقة محتملة. لافتا إلى أن الصين التي تستورد 90 % من النفط الإيراني، قد ترفض الالتزام بالحظر المفروض على طهران، وهو عامل بالغ الأهمية في تحديد مسار الأزمة.
أما الثاني، فهو أن يؤدي الحصار الكبير والمستمر لدفع إيران نحو التنازل، بخاصة إذا تزايدت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية الداخلية. مشددا على أن هذا الاحتمال، يبقى معقدا في ظل تمسك إيران بموقفها ورفضها الانصياع للشروط الأميركية.
وأشار إلى أن السيناريو الثالث، يتمثل بالوصول لتسوية، قد تتضمن تنازلات من الطرفين، أو من أحدهما، سعيا لإيجاد حلول وسط، تحفظ مصالحهما وتجنب المنطقة مواجهة مفتوحة. مؤكدا أن الخيار العسكري يظل مقيدا بعوامل داخلية وخارجية، لكنه لفت إلى أن الكيان الصهيوني يدعم هذا الخيار بشكل واضح، ولو كان الأمر بيده، لما توقفت الحرب أصلا، بل لاستمرت حتى النهاية، ما يضفي خطورة إضافية على المشهد.
تمديد الهدنة يربك حسابات إيران
من جانبه، قال الخبير الأمني والإستراتيجي د. عمر الرداد، إن قرار ترامب بتمديد وقف إطلاق النار دون تحديد سقف زمني، يطرح تساؤلات حول رهاناته وخياراته. مشيرا إلى أن هذا القرار يقوم على عدة مرتكزات: أولها نقل المعركة سياسيا إلى الداخل الإيراني، بحيث تتصاعد الخلافات بين الحرس الثوري من جهة والإصلاحيين من جهة أخرى، وربما يمتد الصراع ليشمل الشعب الإيراني نفسه.
وثاني هذه المرتكزات، هو الإبقاء على الحصار المفروض على الموانئ الإيرانية، ما عمق الأزمة المالية للحرس الثوري، وفتح المجال أمامه للقيام باعتداءات على سفن تجارية، وهذا بدوره دفع دولا حلف "الناتو" وإقليمية لمواجهة مباشرة مع الحرس الثوري لحماية مصالحهم البحرية.
وأضاف الرداد، أن التمديد المفتوح يخفف من حدة الانتقادات التي توجه لترامب بشأن إدارة الحرب في الولايات المتحدة، كما أنه كسر رهانات الحرس الثوري على أن واشنطن محشورة بالوقت، مؤكدا أنه "غير مستعجل". مشيرا إلى أن الولايات المتحدة لا تعاني من ضغوط اقتصادية، جراء أزمة مضيق هرمز أو أزمة الطاقة، بل على العكس، فهي أكثر دولة مستفيدة من تجارة النفط والغاز في هذه المرحلة.
وشدد الرداد على أن خيارات طهران، تبدو محدودة في ظل هذا التمديد باستثناء اللجوء إلى خيارات عسكرية في مضيق هرمز، قد تحقق لها مكاسب آنية لكنها في الوقت ذاته ستزيد من خسائرها وتضاعف عدد خصومها.



