*
الخميس: 23 نيسان 2026
  • 22 نيسان 2026
  • 21:49
اضطراب طيف التوحد والتنظيم الذاتي لماذا يُعد حجر الأساس في التكيف اليومي
الكاتب: الباحثة لجين المعايطة

يظهر اضطراب طيف التوحد في مراحل الأولى من الطفولة، و يرافق الفرد خلال مختلف مراحل حياته. ورغم أن التعريفات العلمية الحديثة جميعها تركز أنظارها حول مجال التواصل و  الاجتماعي والسلوكيات النمطية المتكررة، إلا أن الواقع اليومي يكشف جانبًا أعمق من ذلك، يتعلق بكيفية استجابة الفرد للمواقف، وقدرته على ضبط نفسه في بيئات متغيرة.
في هذا الإطار، يصبح الحديث عن “التنظيم الذاتي” ضروريًا، ليس كمفهوم نظري، بل كمهارة حاسمة تؤثر في تفاصيل الحياة اليومية للأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. فالتنظيم الذاتي، ببساطة، هو المهارة التي يدير بها الشخص انتباهه، ويتعامل مع مشاعره، ويضبط بها سلوكه عندما يواجه مواقف مختلفة.
عند النظر إلى الأطفال ذوي اضطراب طيف التوحد، يمكن ملاحظة أن التحدي لا يكمن فقط في فهم الآخرين، بل أيضًا في إدارة الاستجابة الذاتية لديهم. فقد يواجه الطفل صعوبة في تهدئة نفسه عند الشعور بالإحباط أوالغضب، أو يجد صعوبة في الانتقال من نشاط إلى آخر، خاصة إذا كان مرتبطًا بروتين اعتاد عليه. وفي مواقف أخرى، قد يبدو شديد التشتت، أو على العكس، شديد التركيز على أمر واحد بطريقة تعيق تفاعله مع ما حوله.
هذه المظاهر لا تحدث بشكل عشوائي، بل ترتبط بعمليات داخلية تشمل الانتباه، والمعالجة الحسية، والمرونة المعرفية. وعندما لا تعمل بشكل متوازن يصبح من الصعب على الفرد تنظيم سلوكه و انفعالاته بصورة تتناسب مع الموقف.
من هنا تتضح أهمية التنظيم الذاتي وجعله في أولويات خططنا. في البيئة التعليمية مثلًا، لا يكفي أن يمتلك الطفل القدرة المعرفية، إذا لم يتمكن من التركيز أو متابعة التعليمات. وكذلك في التفاعل الاجتماعي،لا يكفي أن يتعلم الطفل ما يجب قوله وكيف، بل أيضًا كيف يستطيع ضبط انفعاله في اللحظة المناسبة. لذلك، فإن تحسين و رفع مهارة التنظيم الذاتي ينعكس بشكل مباشر على عملية التعلم والعلاقات الاجتماعية في آن واحد.
ومن جانب آخر لا يقل أهمية هو التأثير على الصحة النفسية. فالأفراد من ذوي اضطراب طيف التوحد الذين يواجهون صعوبة في تنظيم مشاعرهم يكونون أكثر عرضة لزيادة نوبات الغضب و التوتر، خاصة في البيئات غير المتوقعة. في المقابل، عندما تتحسن هذه المهارة، يصبح الفرد أكثر قدرة على التعامل مع المواقف اليومية، وأقل عرضة للانفعالات الحادة.
ولا يمكن إغفال دور التنظيم الذاتي في تعزيز الاستقلالية. فمع تطور هذه المهارة، يصبح الفرد أكثر قدرة على إدارة شؤونه اليومية، مثل الالتزام بالمهام المطلوبة، واتخاذ قرارات بسيطة، والتكيف مع المتغيرات. وهذا ما تسعى إليه معظم البرامج التربوية والتأهيلية، حتى وإن اختلفت أساليبها.
فتطوير التنظيم الذاتي لا يحدث بشكل تلقائي، بل يحتاج إلى بيئة داعمة وأساليب تدريب واضحة. من بينها، الاعتماد على الروتين المنظم، واستخدام الوسائل البصرية لتوضيح الأنشطة، وتدريب الطفل تدريجيًا على التعرف على مشاعره والتعبير عنها. كما أن التدرج في تعريضه للمواقف الجديدة يساعده على بناء استجابات أكثر مرونة مع الوقت.
في النهاية، يمكن القول إن التنظيم الذاتي يشكل نقطة إلتقاء بين الجوانب المعرفية والانفعالية والسلوكية لدى الأفراد ذوي اضطراب طيف التوحد. لذلك، فإن التركيز عليه لا يُعد خيارًا إضافيًا اختياريًا، بل ضرورة أساسية لتحسين جودة الحياة، وتعزيز قدرة الفرد على التفاعل مع العالم من حوله بطريقة أكثر توازنًا واستقرارًا.
الباحثة لجين المعايطة 
ماجستير تربية خاصة في الطفولة

مواضيع قد تعجبك