*
الخميس: 23 نيسان 2026
  • 22 نيسان 2026
  • 17:29
كويكب يتفتت قرب الشمس ليصنع زخة شهب جديدة في السماء

خبرني  - تمكن فريق دولي من العلماء من رصد كويكب يتفكك بالقرب من الشمس، ليس عبر التلسكوبات التقليدية، بل من خلال تتبع زخات شهب وصلت إلى الأرض.

وقد جاءت هذه النتائج بعد تحليل ملايين الأرصاد التي جمعتها شبكات كاميرات السماء الشاملة المنتشرة في كندا واليابان وأوروبا وولاية كاليفورنيا الأمريكية.

ونشرت الدراسة في مجلة "الفيزياء الفلكية" في عدد مارس/آذار 2026، وقادها عالِم الكواكب باتريك شوبر، الباحث في مركز جونسون الفضائي التابع لوكالة الطيران والفضاء الأمريكية (ناسا)، حيث اعتمد الفريق على تحليل بيانات ضخمة للشهب لتحديد نمط غير مألوف قاد إلى اكتشاف مصدرها وهو كويكب خفي يتفتت تدريجيا بفعل حرارة الشمس.

 

كيف تم الرصد؟ من الشهب إلى الكويكب

اللافت في هذا الاكتشاف أن الكويكب نفسه لم يُرصد مباشرة، بل تم الاستدلال عليه عبر ما يُعرف بزخات الشهب (Meteor Showers). فقد سجلت الشبكات العالمية 282 شهابا لامعا تتبع مسارات متشابهة، ما يشير إلى أنها تنتمي إلى مصدر واحد.

وقد تم رصد هذه الشهب بواسطة أنظمة مراقبة آلية، وهي شبكات من الكاميرات الرقمية الحساسة التي تعمل طوال الليل، وتلتقط ومضات دخول الأجسام الصغيرة إلى الغلاف الجوي بسرعات عالية.

بعد ذلك، تُحلل البيانات باستخدام خوارزميات متقدمة تقارن المسارات والسرعات والاتجاهات، مما يسمح بإعادة بناء المدار الأصلي لهذه الشظايا، وبالتالي تحديد مصدرها المشترك.

ويشير عدد الشهب الـ282 الملتقطة إلى مجموعة محددة من الشهب التي تم توثيقها وتحليلها بدقة، وليس إلى سقوط نيازك على الأرض، لأن معظم هذه الجسيمات صغيرة جدا، بحجم حبيبات الرمل، وتحترق بالكامل عند دخولها الغلاف الجوي.

وتكمن أهمية هذه المجموعة في أنها شكّلت "بصمة مدارية" واحدة، ما يعني أنها ناتجة عن جسم واحد يتفكك، وهو ما قاد العلماء إلى استنتاج وجود الكويكب المتفتت.

 

الانتحار الحراري.. هكذا يتفتت الكويكب

حين يدور الكويكب في مدار شديد الاستطالة، فإنه يقترب من الشمس لمسافة تقل عن واحد إلى خمسة من بُعد الأرض عنها (نحو 30 مليون كيلومتر)، وهذا القرب يؤدي إلى تعرضه لدرجات حرارة هائلة.

نتيجة لذلك، تحدث عملية تعرف بـ"الإجهاد الحراري" حيث تتمدد المواد ثم تنكمش بشكل متكرر، مما يؤدي إلى تشقق السطح وانفصاله. ومع مرور الوقت، يبدأ الكويكب بإطلاق الغبار والغاز والشظايا، في عملية تشبه "التفكك التدريجي".

هذه الظاهرة ليست جديدة تماما، فالكويكب "فايثون" (3200 Phaethon) يُعد مثالا معروفا، إذ يُنتج زخة شهب التوأميات (Geminids)  التي تنشط منتصف ديسمبر/كانون الأول من كل عام عبر آلية مشابهة.

 

زخات الشهب.. مختبر طبيعي لفهم الكويكبات

عندما تمر الأرض عبر مسار حطام الكويكب أو المذنب، تدخل الجسيمات المتروكة خلفهما الغلاف الجوي بسرعة عالية، فتسخن بسبب الاحتكاك الشديد ثم تضيء بسبب تأيّن غازات الغلاف الجوي ومكوناتها التي تحملها، فتظهر على شكل شهب تتلون بألوان تختلف باختلاف مكونات الغلاف الجوي أو الشهاب نفسه.

هذه الظاهرة تمثل أداة علمية مهمة، إذ تتيح دراسة أجسام لا يمكن رؤيتها مباشرة. فالشهب تعمل كرسل تحمل معلومات عن تركيب الكويكب، مثل المعادن والعناصر الكيميائية، وكذلك عن تاريخه المداري.

كما أن تحليل توزيع الشهب بمرور الوقت يساعد في فهم كيفية انتشار الحطام في الفضاء، وهي عملية تعرف بانتشار الزخة الشهابية.

 

هل يمكن توقع موعد هذه الزخة؟

نعم، لكن الأمر يتطلب مزيدا من البيانات. فإذا تأكد العلماء من مدار هذا التيار النيزكي بدقة، يمكن التنبؤ بمواعيد مرور الأرض عبره، تماما كما يحدث مع زخات سنوية معروفة مثل التوأميات.

في الوقت الحالي، لا تزال الزخة الجديدة قيد الدراسة، لكن إذا استمر تدفق الحطام بنفس النمط، فقد يتحول إلى زخة شهابية دورية يمكن لهواة الفلك رصدها سنويا.

ويُبرز هذا الاكتشاف أهمية المراقبة الآلية والذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات الفلكية. ومع إطلاق مهمة "مسح الأجرام المقتربة من الأرض" (NEO Surveyor) التابعة لناسا والمقررة عام 2027، ستتطور القدرة على رصد مثل هذه الأجسام بشكل كبير، إذ يستخدم التلسكوب الأشعة تحت الحمراء لاكتشاف الكويكبات القريبة من الشمس، والتي غالبا ما تكون غير مرئية في الضوء المرئي.

 

ماذا يعني هذا الاكتشاف علميا؟

يوفر هذا الكشف فهما أعمق لسلوك الكويكبات الهشة، خاصة تلك التي تعيش في بيئات حرارية قاسية، كما يعزز مفهوم أن بعض الكويكبات يمكن أن تتفكك ذاتيا دون الحاجة إلى اصطدام.

إضافة إلى ذلك، يسهم في تطوير استراتيجيات "الدفاع الكوكبي"، إذ يساعد على اكتشاف أجسام قد تكون خطرة لكنها غير مرئية.

كما أن هذا الاكتشاف لا يضيف مجرد زخة شهب جديدة إلى السماء، بل يفتح نافذة علمية لفهم كيف تتغير الكويكبات وتتفكك بمرور الزمن. ومع تطور أدوات الرصد، قد يصبح بالإمكان تتبع هذه الأجسام بدقة، وتحديد أصولها، وربما التنبؤ بسلوكها قبل أن تتحول إلى خطر محتمل.

وبالنسبة إلى هواة الفلك، قد يكون هذا الحدث بداية لعرض سماوي سنوي جديد، أما للعلماء فهو فرصة نادرة لدراسة "موت كويكب" لحظة بلحظة.

مواضيع قد تعجبك