الزمن ليس ببعيد عندما كانت الكلمات توزن بميزان الضمير قبل ان تقاس بميزان المصلحة،لم تكن المسؤولية في كثير من المجتمعات تفهم بوصفها موقعا يمنح ،بل عبئا يحمل ولم تكن سلطة تمارس بل رسالة تؤدى،كان المعنى اقرب الى الرعاية منه الى السيطرة ،واشد التصاقا بفكرة الواجب من اي امتياز محتمل غير ان ملامح هذا المعنى كما يبدو لم تعد على حالها تماما.
في سياقات متعددة يمكن ملاحظة ان العلاقة بين المسؤولية والسلطة لم تعد متوازنة كما كانت تتصور في اصلها النظري،ليس بالضرورة لان القوانين قد تغيرت بل ربما لان طريقة فهمها وممارستها شهدت تحولات دقيقة لكنها عميقة الاثر.
المسؤولية في اصلها اللغوي ترتبط بفكرة السؤال اي بالمحاسبة الاخلاقية قبل اي شيء اخر ،حيث يكون الانسان مسؤولا لانه سُيسأل لا لانه يملك ،غير ان هذا المعنى في بعض البيئات يبدو وكأنه تراجع لصالح تصورات اخرى...
السؤال فيها يغيب او يتاخر بينما تتقدم ادوات القرار وتتمدد.
هنا تنشأ مفارقة تستحق التأمل،كيف يمكن لمفهوم يقوم على المساءلة ان يمارس احيانا بمعزل عنها؟
ربما قد لا يكون الامر تحولا حادا بقدر ما هو انزلاق تدريجي
فالمناصب التي صممت اصلا لخدمة الناس قد تُفهم في بعض الحالات بوصفها مواقع نفوذ او مساحات لاثبات الحضور اكثر من كونها ادوات لتحقيق الصالح العام ،وليس في هذا حكم على الجميع بل توصيف لاتجاه يمكن ملاحظته في اكثر من سياق.
وفي خضم هذا التحول قد تتبدل اللغة ايضا ،فبدل ان تقوم العلاقة بين المسؤول والمجتمع على الشراكة اصبحت تميل احيانا الى انماط اقرب الى التوجيه الاحادي وبدل ان تمارس الصلاحيات بوصفها امانة غدا بعضها أقرب إلى أن يُفهم كحق شخصي تُشكله رؤى ذاتية لا أطر مؤسسية ولو على مستوى الاحساس لا التصريح.
لكن السؤال الاهم ليس من المخطئ ؟
بل كيف وصلت الامور الى هنا؟
هل بسب خلل في الافراد ام في التصورات التي تحكم ادوارهم ؟
هل تغيرت المسؤولية فعلا؟
ام اننا نعيد تعريفها بصمت؟
على الارجح ان الاجابة تقع في المسافة بين الاثنين.
فعندما يعاد تشكيل المفاهيم بشكل غير معلن تتغير معها الممارسات وعندما تتكرس صور معينة للسلطة يتكيف الوعي العام معها حتى وان بدت بعيدة عن اصل الفكرة وهنا لا يعود التحدي قانونيا بقدر ما يصبح قيميا واخلاقيا ،اذ يمكن لاي منظومة ان تنتج نصوصا عادلة لكن قدرتها على تحقيق العدالة فعليا تظل مرهونة بالروح التي تفعل هذه النصوص.
ولعل اخطر ما في هذا المسار انه لا ينتج فقط خللا في الممارسة بل في التلقي ايضا فحين تتكرر انماط معينة من الاداء قد يفقد الافراد ثقتهم بفكرة المسؤولية ذاتها
لا بتطبيقاتها فقط، ويصبح السؤال عن العدالة سؤالا مفتوحا.... لا لان القوانين غائبة،بل لان الايمان بها قد تآكل تدريجيا .
ومع ذلك لا يبدو هذا المسار حتميا فالتاريخ يظهر ان المفاهيم الكبرى لا تختفي بل تعيد تشكيل نفسها كلما اقتضت الحاجة.
وبين المسؤولية كرسالة والسلطة كاداة تظل منظومة القيم هي العامل الحاسم في ترجيح الكفة،فحين تستعاد هذه القيم لا تعود المناصب مجرد مواقع بل تتحول الى مساحات ذات اثر ايجابي حقيقي مباشر في مدماك البنيان المجتمعي، ولا يقاس النجاح بمدى السيطرة بل بقدرة الفرد على تحقيق توازن دقيق بين الحزم والعدل وبين القرار والضمير.
وانطلاقا من ذلك الاطار قد يكون من الضروري اعادة النظر في تعريف النجاح ذاته ،فالمسؤول الناجح ليس من يحسن ادارة النفوذ.... بل من يحسن ادارة الاثر و ليس من يخضع النظام لارادته... بل من يخضع قراراته لمعيار يتجاوز ذاته.
امسينا نعيش في عالم تتشابك فيه المصالح وتتسارع فيه التحولات، حيث لا تبدو المشكلة في وفرة السلطة بل في ندرة المعنى الذي يوجهها.
وهنا يعود السؤال لا بوصفه ادانة بل دعوة مفتوحة للتفكير هل نبحث عن مسؤولين يتقنون اصدار الاوامر؟
ام عن اولئك الذين يحسنون الاصغاء؟
هل نريد سلطة تدار؟
ام مسؤولية... تُفهم؟!
ربما لا يكون الجواب واحدا
لكن وضوح السؤال .....هو بداية الطريق.



