أتحسس ، وأتلمس ، وأتفحص أوجاع وطني الأردن الحبيب ، وأكتب عنها ، مُشخِّصاً الداء ، وواصفاً الدواء ، قدر إمكانياتي ، وقدراتي ، وخبراتي . كما أبحث عن أماكن التميز في الأداء وأُشيد فيها شاكراً ، ومفتخراً بالإنجاز .
أكتب عن وطني لا لغاية شخصية ، ولا لمصلحة ذاتية . ولا يتدخل أحداً بما يخط قلمي ، ولا أقبل توجيهاً ، ولا أتقبل تلميحاً مطلقاً ، حيث كل ما يخطه قلمي المتواضع ( نخطاً من رأسي ) . لديّ باروميتر خاص ، حساس ، ملتزم بقيمي ، وأخلاقي ، وديني ، وثوابتي الراسخة ، وإنتمائي الصادق غير المصلحي ، وهو الذي أقتدي به ، وأسير على هُداه .
منذ شهور ، ووسائل التواصل الإجتماعي تعج بالبوستات ، والمقالات ، والتعليقات تشنيعاً ، وقدحاً ، وذماً ، وتشويهاً ، وإنتقاصاً ، وإنتقاداً من حصافة وكفاءة من تولوا إدارت الضمان الإجتماعي كمدراء عامين . وقالوا في وصفهم فرادى وجماعات بإفصاحات ، وتلميحات ما عجز عنه مالك في وصف الخمر .
أقولها بوضوح ، وصراحة ، علماً انه لم تربطني اية علاقة او معرفة شخصية بأي من المدراء العامين لمؤسسة الضمان الإجتماعي مطلقاً . أقول ان جميع المدراء العامون لمؤسسة الضمان الإجتماعي منذ تأسيسها في بداية ثمانينيات القرن الماضي ، بأنهم جميعهم ( أكفاء ) ومتميزين في قدراتهم الإدارية والعلمية ولم تشُب غالبيتهم أية شائبة مطلقاً . وقد أداروا المؤسسة بحصافة ، وحضارية ، وتميز منقطع النظير ، مقارنة بمؤسسات الوطن الأخرى .
ونتيجة لذلك كانت المؤسسة العامة للضمان الاجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، بل رائدة ، ومتميزة ، ومتطورة في أدائها . والدليل على ذلك ما يلي :—
١ )) أنها كانت تؤدي التزاماتها تجاه المتقاعدين وغيرهم من المتعاملين معها في وقتها تماماً .
٢ )) والدليل الآخر ان موجودات مؤسسة الضمان الإجتماعي حتى نهاية عام ٢٠٢٥ تقدر بحوالي ( ١٨,٦ ) مليار دينار .
٣ )) ان المؤسسة كان لديها سيولة نقدية كبيرة تزيد عن ( ١٠,٦ ) مليار دينار .
مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي تنحصر في إقتراض الحكومات من مؤسسة الضمان الإجتماعي خلال ال ( ٦ ) أعوام الماضية ، وتحديداً منذ بدء جائحة كورونا . وتمثل ذلك
في إقتراض مبلغ ضخم ، إستنزف تقريباً كامل السيولة النقدية المتوافرة لدى مؤسسة الضمان الإجتماعي ، حيث وصل إجمالي المبلغ المُقترَض الى ( ١٠,٦ ) مليار دينار . ومما زاد الطين بِلّةً انه لم يوضع جدولاً للسداد .
يامن تُشغِلون وسائل التواصل الإجتماعي ، هل من المنطق والعقل ان تنهشوا بمؤسسة الضمان الإجتماعي وتجرِّحوا بمدرائها العامون وهم الذين بجهودهم وصلت نجاحات المؤسسة لأن يكون لديها موجودات بحدود ( ١٨,٦ ) مليار دينار ، كما كان لديها سيولة نقدية تزيد عن ( ١٠,٦ ) مليار دينار ؟
إرتبك أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي منذ إستنزاف سيولتها ، دون الإستناد الى جدول لسداد تلك المديونية الحكومية . ولولا ذلك لاستمرت مؤسسة الضمان في إزدهارها ، وتطورها ، ونمائها ، ولكانت مدخرات الأردنيين في أمانٍ تام .
وينتقدون أداء مؤسسة الضمان الإجتماعي لأن بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب عالية او خيالية .
يا سادة يا كرام ، الذين يتقاضون رواتب عاليه من الضمان ، لم يسرقوها ، بل حصلوا عليها إستناداً لقانون الضمان الإجتماعي السابق . وهم بالأصل كانوا يتقاضون رواتب عالية في وظائفهم ، وما العيب في ذلك ؟ أليس طبيعياً ان من كان يُشغل منصباً مرموقاً في أحد البنوك الرائدة الكبرى ، مثلاً ، وراتبه الشهري يزيد عن ( ٢٥,٠٠٠ ) او ( ٣٠,٠٠٠ ) دينار ان يتقاضى راتباً تقاعدياً يصل الى ( ١٠,٠٠٠ ) دينار ويزيد !؟ من الطبيعي ان يحصل من كانوا يتقاضون رواتب عالية على رواتب تقاعدية عالية . وللعلم ، ان من حصل على راتب تقاعدي عالي وبالآلاف ، خضع لنفس ( الحِسبة ) التقاعدية لأصحاب الرواتب التقاعدية المتواضعة . وإلا حسد يعني ؟ أنا أُبارك لهم ، وصحة على قلوبهم ، ما دام الأمر قانونياً .
وتمت معالجة الأمر قبل سنوات عندما تم تحديد سقف أعلى للراتب ( الخاضع ) للضمان ، كما تم تحديد ( سقف أعلى ) للراتب التقاعدي .
مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي ، لم تكن في إداراته أبداً . لأنها كانت إدارات كفؤة وناجحة . كما ان مشكلة الضمان لم تكن في بضع عشرات من الأشخاص يتقاضون رواتب تقاعدية عالية ابداً .
بكل صراحة ، ووضوح ، مشكلة مؤسسة الضمان الإجتماعي ، تنحصر تحديداً في سببين ، لا ثالث لهما ، وهما :—
١ )) السبب الأول : — إقتراض الحكومات المتعاقبة السابقة لمبلغ ( ١٠,٦ ) مليار دينار ، وهذا مبلغ كبير جداً ، ولو حصل ذلك في أية مؤسسة أخرى لأنهارت تماماً .
٢ )) والسبب الثاني :— ضغط الحكومات الأردنية على إدارات مؤسسة الضمان الإجتماعي للمساهمة في مشاريع معروف مسبقاً أنها فاشلة قبل تأسيسها ، لأنها تمت بأسلوب الفزعات ، وغالبيتها أُنشأت دون إعداد دراسات جدوى إقتصادية أصلاً .
ولنسأل سؤالا بطريقة أخرى : لو لم تقترض الحكومات السابقة مبلغ ال ( ١٠,٦ ) مليار دينار ، هل كانت مؤسسة الضمان الإجتماعي تعاني مما تعانيه الآن ؟ أُجيب وأقول : طبعاً لا .
كانت مؤسسة الضمان الإجتماعي ، مؤسسة ناجحة ، ورائدة ، وتتبع نهجاً علمياً في إدارة شؤونها ، وكانت تُعِدّ الدراسات الإكتوارية بقدرات كادرها ، (( مثل الدكتور / محمد الطراونة ، الذي يُعد خبيراً دولياً مرموق المستوى )) ، إضافة الى إستعانتها بجهات خارجية متخصصة ، مشهود لها بالكفاءة ، حتى فقدت سيولتها النقدية ، فحصل الإرتباك . ولعدم وجود جدول زمني لتسديد هذا المبلغ الضخم ، بل ولإنتفاء نية السداد لدى الحكومات ، دخلت مؤسسة الضمان الإجتماعي نفقاً مُظلماً لن تخرج منه ، ولن تعود لوضعها السابق مهما تذاكى المتذاكون للتعويض عن السداد بإجراءات قاسية غيّرت الحِسبة التقاعدية ، وأصبحت مُجحفة بحق المشتركين . وأعتقد ان أول إنخفاض ملحوظ ستشهده المؤسسة بعد تعديل قانونها ، سيكون في إنخفاض الإقبال على الإشتراك الإختياري .
ما تعانية مؤسسة الضمان الإجتماعي ليس من صُنعها ، وليس من أخطاء تراكمية من إداراتها ، مُطلقاً . المشكلة أتت من خارج المؤسسة ، وفُرضت عليها ، عندما إستُنزِفت سيولتها النقدية الضخمة .
ما حَلّ بمؤسسة الضمان الإجتماعي ينطبق عليه المثل الشعبي الذي يقول : (( أَم التوم ، أصبحت لَجَبِهْ )) . ولجماعة الكورنفليكس نوضح المقصود بإيجازٍ شديد : يعني وضع مؤسسة الضمان يشبه الشاة ( النعجة ) التي ولدت توأماً من الخِراف في الليل ، ولسبب لا علاقة للأُم ( النعجة ) به أصبح عليها الصباح وقد فقدت توأمها . وهذا ما حدث لمؤسسة الضمان الإجتماعي ، حيث أمست مؤسسة ناجحة ، ولديها سيولة نقدية تساوي تماماً موازنة الوطن بأكمله . فأصبح الصباح عليها وقد خسرت سمعة إداراتها الناجحة ، كما خسرت سيولتها الضخمة ، التي تعادل موازنة الوطن بأكمله .
آااااااخ يا زمان الشقلبة ، رحم الله ممثلنا القدير ، الذي كان مِنّا ، ويشبهنا الأستاذ / نبيل المشيني ، ويا عمااااار على مسلسل ( حارة ابو عواد ) .



