خبرني - تسجل الإحصاءات العالمية فجوة واسعة في الإقبال على خدمات الصحة النفسية بين الجنسين، وتعكس في جوهرها أزمة صامتة تغذيها موروثات اجتماعية وتنشئة تربط الرجولة بكبت المشاعر، مما حول "غرفة المعالج" في وعي الكثيرين إلى مكان محفوف بالهواجس بدلا من أن تكون ملاذا للتعافي.
وهذا الهروب الجماعي للرجال من مواجهة أزماتهم النفسية بات يشكل تحديا للصحة العامة، خاصة مع ارتباطه المباشر بارتفاع معدلات الإدمان والانتحار. وتشير بيانات منظمة الصحة العالمية (WHO) إلى أن الرجال هم الأكثر عرضة لتبعات الصحة النفسية، رغم أنهم الأقل طلبا للدعم.
وهذا التباين الحاد يعود إلى تضافر ثمانية عوامل نفسية واجتماعية تمنع الرجل من كسر حاجز الصمت، وفقا لما استعرضته تقارير علمية حديثة ومنها ما نشرته صحيفة الغارديان البريطانية.
1- فخ "الرجولة التقليدية"
تبدأ الأزمة من مرحلة الطفولة، وتشكل الثقافة المجتمعية وعي الرجل ضمن إطار يربط القوة بالصمت والصلابة وإنكار الألم. ووفقا لجمعية علم النفس الأمريكية، فإن التنشئة التي ترفع شعار "الرجل لا يبكي" تخلق حاجزا نفسيا يمنع الاعتراف بالمعاناة، مما يجعل طلب المساعدة النفسية يبدو في وعي الرجل انتقاصا من ذكورته واعترافا بالفشل.
2- وصمة العار المضاعفة
لا يخشى الرجل المرض النفسي لذاته فحسب، بل نظرة المجتمع إليه ووصفه بالضعيف أو العاجز. وتؤكد "هارفارد الصحية" أن تأثير وصمة العار أعمق لدى الرجال، إذ ينظر للرجل الذي يرتاد العيادات النفسية على أنه فقد قدرته الفطرية على الحماية والإعالة، وهي الصورة التي يستميت للمحافظة عليها أمام عائلته ومحيطه.
3- التعبير بالفعل لا بالكلام
يميل الرجال تاريخيا إلى حل مشكلاتهم عبر الفعل بدلا من البوح العاطفي. ولأن العلاج النفسي يعتمد أساسا على "الكلام" والمواجهة اللفظية للمشاعر، يشعر الكثيرون أنه وسيلة لا تتناسب مع طبيعتهم العملية، مما يؤدي إلى نفورهم من الجلسات الحوارية الطويلة التي يراها البعض بلا فائدة.
4- الغضب قناع الحزن
تكمن الصعوبة في أن اكتئاب الرجال غالبا ما يتخفى خلف أقنعة مضللة. ويشير المعهد الوطني للصحة العقلية (NIMH) في الولايات المتحدة إلى أن الضغط النفسي لدى الرجال يظهر غالبا في صورة غضب سريع أو عداء أو انسحاب اجتماعي، بدلا من الحزن الصريح، مما يجعل الرجل يبرر حالته بأنها "ضغوط عادية" لا تستوجب التدخل الطبي.
5- هواجس فقدان السيطرة
داخل غرفة العلاج، يوضع المراجع في موقف "المتلقي" الذي يكشف مواطن ضعفه، وهو وضع يثير قلق الرجل الذي اعتاد أن يكون هو من يمسك بزمام الأمور. هذا التبدل في الأدوار يشعر الرجل بتهديد مباشر لسيادته الشخصية، فيفضل الانسحاب للحفاظ على صورة "المسيطر" أمام نفسه والآخرين.
6- غياب لغة الخطاب الموجهة للرجل
هناك تصور سائد بأن منظومة الصحة النفسية صممت لغة وأسلوبا لتناسب النساء بشكل أكبر. ويؤكد خبراء أن غياب البرامج النفسية التي تخاطب الرجل بلغة تحترم خصوصيته وتفهمه يجعله يشعر بأن هذه الخدمات غير مصممة له، وهو ما يعزز المسافة بينه وبين المختصين النفسيين.
7- إستراتيجيات الهروب والتطبيب الذاتي
بدلا من مواجهة جذور الألم، يلجأ الكثير من الرجال إلى ما يسمى "التطبيب الذاتي" عبر الانغماس المفرط في العمل، أو ممارسة سلوكيات خطرة، أو الإدمان. هذه السلوكيات تعمل مخدرا مؤقتا للألم النفسي، لكنها تؤدي في النهاية إلى تفاقم الأزمة بعيدا عن أعين الرقابة الطبية.
8- الوصول المتأخر
لا يطرق الرجل باب المعالج إلا عندما تصبح الأزمة "حادة جدا" أو بعد انهيار تام للوظائف الحيوية اليومية. ويشير مركز السيطرة على الأمراض إلى أن تأخير طلب المساعدة هو سمة غالبة لدى الرجال، مما يجعل التدخل العلاجي أكثر تعقيدا لصعوبة الحالات التي تصل إلى المختصين.
القوة في المواجهة لا في الصمت
يظهر الربط بين هذه الأسباب أن وضوح المشكلة لا يكمن في الرجال أنفسهم، بل في تعريف ثقافي قديم للرجولة يحتاج إلى المراجعة. فالمفارقة الكبرى التي تؤكدها هيئة الخدمات الصحية البريطانية (National Health Service) هي أن العلاج النفسي يحقق نتائج مذهلة للرجال بمجرد كسر حاجز "الخطوة الأولى".
وتجاوز هذه الأزمة الصامتة يتطلب شجاعة مجتمعية لإعادة تعريف القوة؛ فالقوة الحقيقية لا تكمن في إنكار الألم، بل في القدرة على مواجهته وطلب الدعم. وإنقاذ الصحة النفسية للرجل يبدأ من اليقين بأن "القناع" الذي يرتديه لحماية صورته الاجتماعية هو نفسه الذي قد يحرمه من فرصة العيش بتوازن وسلام داخلي.



