خبرني - في البدء كانت الحقيقة عارية، وكان الارتباك الأول هو محاولة مواراتها.
{بَدَتْ لَهُمَا سَوآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخصِفَانِ عَلَيهِمَا مِن وَرَقِ الجَنَّةِ}
لم يكن الخصف زينة، ولم يكن ثوباً.
كان رد فعل الجسد حين فاجأه انكشافُه.
ومنذ تلك اللحظة، لم يعد الإنسان يواجه عريه.
بات يُديره!
يضيف طبقة فوق طبقة. قميصاً فوق قميص. مؤسسة فوق مؤسسة.
والفرق الوحيد بين آدم وبيننا:
هو أنه خصف ورقة واحدة.
نحن نخصف دولة كاملة!
لا أحد هنا مُغطى.
الجميع يؤجل فقط.
العري ليس حالةً طارئة.
هو البنية التحتية لكل ما نرتديه.
القميص الأول لا يُغطي.
يُؤجل لحظة الانكشاف.
والثاني لا يحمي.
يمد زمن التأجيل.
لا يولد الإنسان في طبقة.
يولد عارياً، ثم يُدرب على إنكار جسده.
الطبقية ليست درجات سُلم.
هي تفاوت في القدرة على إخفاء نفس الجسد.
لا تُقسم الناس.
بل تُقسم قدرتهم على الكذب على أنفسهم.
كل إنسان ممثِّل أمام جمهور لا ينام.
يرتدي قميصه الصباحي ليقول: "أنا هنا، وأنا بخير".
لا يحتاج أحد أن يُصدقه.
يكفي ألّا يُكذِّبه أحد علناً.
هذا ما تفعله الطبقية:
لا تمنع العري.
تمنع الاعتراف به.
الطبقة العليا لا تملك أكثر، بل ترى أقل.
تدفع أكثر لتتجنّب رؤية ما يراه من هو تحتها.
ثروتها الحقيقية ليست المال.
بل القدرة على التجاهل المنظَّم.
والوسطى ليست طبقة، بل عطب دائم.
منطقة عازلة تستهلك لإبقاء التناقض قابلاً للحياة.
تشتري قميصا لتحمي نفسها من السقوط.
فتكتشف أنها اشترت شكلَه فقط!
ربع الأردنيين تحت خط الفقر رسمياً.
لكن نصفهم يتصرّف كمن هو فوقه.
لأن الانتماء إلى الوسط وهمٌ يُدفع ثمنه من الراتب.
والفقر ليس نقصاً.
هو اللحظة التي يفشل فيها الكذب.
حين يصبح الجسد أكثر حضوراً من كل ما فوقه.
الدَّين الاستهلاكي لا يشتري بضاعة.
يشتري هوية اجتماعية بالأقساط!
السيارة الجديدة بالتقسيط ليست وسيلة نقل.
هي إعلان رسمي: "لم أسقط بعد!"
والقرض البنكي ليس حلاً.
بل عقدٌ يوقّعه الفقير ليشكر من أفقره على منحه وهم الستر!
عمّان ليست مدينة، بل جهاز فرز بصري!
شرقها لا يفتقر، بل يرى أكثر مما يجب.
وغربها لا يزدهر، بل يرى أقل مما ينبغي.
الفرق ليس في الدخل، بل في الإضاءة!
"حفظ ماء الوجه" ليس قيمة أخلاقية.
هو بنية بقاء.
المجتمع لا يعاقب الفقير.
يعاقب من يظهر بمظهر الفقير!
لهذا نرتدي ما لا نملك.
ونصمت عمّا نعرف.
ونحتفل بما لا يستحق الاحتفال.
الانتماء حين يتحوّل إلى قميص طوارئ — يُخفي ولا يجمع.
يمنع الفرد من الظهور كما هو لا أن يحميه.
الوظيفة الحكومية ليست عملاً.
هي رحم مؤقت يُؤجل السقوط.
والراتب الشهري ليس مقابل إنتاج.
بل مقابل الصمت المنتظَم.
الجسور والأنفاق ليست طرقاً.
بل أدوات فصل دقيقة.
تضمن أن يمر الجميع فوق بعضهم دون أن يلتقوا!
والمغترب لا يغادر، بل يُعاد تدويره.
يستهلك في الخارج ليُعاد تصديره قميصاً لعائلته.
يُرسل مالاً ليخفي عُرياً لا يستطيع لمسه!
السياسة لا تُدير موارد.
تُدير زاوية النظر.
لا تُغير واقعاً.
بل تتحكم في مقدار ما يُرى منه.
كل إصلاح هو إعادة تفصيل القماش.
مع الإبقاء على الجسد نفسه خارج النقاش.
لأن الاعتراف بالجسد
يعني الاعتراف بأن كل شيء كان كذبا منظَّما.
اللغة نفسها جزء من القماش:
"تحسين" تعني تأجيل.
"تطوير" تعني إعادة طلاء.
"ضبط" تعني قمع الانكشاف.
"استقرار" تعني: لم يصل الجميع بعد إلى لحظة خلع القميص!
الحكومات لا تخاف الفقر.
ولا الغضب.
ولا حتى الانهيار.
تخاف فقط
أن يرى الناس بعضهم دون قمصان!
لأن تلك اللحظة لا تُدار.
ما نُسمّيه "ثورة" ليس تغيير سلطة.
هو اللحظة التي يرفض فيها الجسد الجماعي أن يُمثَّل.
حين يصبح العري حقيقة مشتركة لا عاراً فردياً.
تلك اللحظة لا تأتي بالإقناع.
تأتي حين ينهار القماش فجأة
ويرى الجميع أنهم كانوا دائماً عراة!
نحن لا نُستَر.
نحن نُدار!
الكارثة ليست أننا مختلفون.
بل أننا متشابهون أكثر مما نحتمل.
حين يفشل القماش في أداء مهمته،
لا يسقط من كان يرتديه.
يسقط التمثيل!
يكتشف الجميع متأخرين
أنهم لم يكونوا يعيشون، بل يرتدون.
وأن الثمن لم يكن خبزاً.
بل عمراً كاملاً
دُفع مقابل
ألّا نرى أنفسنا دفعة واحدة.
نحن نحرس عُرينا!!



