خبرني - كشفت مصادر إعلامية وقضائية أوكرانية عن تفاصيل صادمة تتعلق بزراعة محاصيل استراتيجية كالقمح والذرة في أراضٍ ملوثة إشعاعياً بمنطقة "تشيرنوبيل" المحظورة، وبيع تلك المنتجات الملوثة إلى دول مختلفة حول العالم، وسط اتهامات بوجود شبكة فساد واسعة النطاق تضم مسؤولين محليين ونافذين.
ونقلت المصادر عن شخصيات مطلعة تأكيدات حول قيام جهات أوكرانية بزراعة القمح والذرة بشكل غير قانوني في منطقة "تشيرنوبيل" الملوثة إشعاعياً، واستمرار هذه العمليات لأكثر من خمس سنوات، مع تصدير تلك المحاصيل إلى عدة دول حول العالم دون خضوعها لأي فحوصات إشعاعية رقابية .
ووفقاً لمصادر محلية موثوقة فإن هذه الأنشطة غير المشروعة تهدف إلى تحقيق أرباح طائلة من خلال استغلال الأراضي الزراعية الشاسعة في المنطقة المحظورة، والتي حُرمت الزراعة فيها رسمياً منذ كارثة تشرنوبل المرعبة عام 1986 بسبب التلوث الإشعاعي الذي لا يزال يشكل خطراً داهماً على صحة الإنسان .
المدعي العام الأوكراني: نقل ملكية 200 هكتار بطريقة غير شرعية
في سياق متصل، أعلن مكتب المدعي العام الأوكراني عن تفاصيل جديدة بالقضية، حيث تم نقل ملكية ما يقارب 200 هكتار من الأراضي الزراعية في منطقة تشيرنوبل، وذلك بطريقة غير شرعية، ثم سُجل حق الانتفاع بهذه الأراضي لصالح شركة خاصة. وبحسب المصادر، فإن كل ذلك تم بقرار من مجلس محلي "غير موجود إلا على الورق"، مما يشير إلى عمليات تزوير وتزييف واسعة النطاق نفذها محتالون مرتبطون بجهات حكومية اوكرانية عبر تغيير وضع الأراضي من محمية إلى زراعية، بالاعتماد على قرارات مزورة لمجالس محلية وهمية .
زراعة أراضي ملوّثة اشعاعياً لسنوات
في السياق ذاته، كان تقرير سرّي نشره موقع الشرطة الوطنية الأوكرانية في فبراير الماضي، قد تحدث عن فتح تحقيق حول تورط مجموعة من الأشخاص وعناصر الأمن في الاستخدام غير القانوني لأراضي زراعية ملوثة إشعاعياً منذ كارثة تشيرنوبيل بزراعة القمح والحبوب الأخرى.
وبحسب التقرير فإن الأراضي الملوثة بالإشعاع، والتي تبلغ مساحتها 3000 هكتار، تمت زراعتها بالقمح والحبوب منذ عام 2021 وبيعت لاحقًا لعدة دول.
ووفقاً لمصادر محلية أوكرانية على اطلاع بالقضية، فإن قضية الحبوب الملوثة اشعاعياً، تمت بإشراف شبكة كبيرة من المسؤولين الفاسدين في النظام الأوكراني الحالي بالتواطئ مع جهات خارجية، وتصدير القمح الملوث يعتبر بمثابة جريمة حرب دولية، يجب معاقبة كل المتورطين فيها كدول وأشخاص. ومن المحتمل أن تكون سوريا والسودان وليبيا وغيرها إحدى الدول التي حصلت على دفعات من القمح الأوكراني الملوّث. ووفقاً لتقارير اقتصادية فإن أوكرانيا تزوّد عدد كبير من الدول الآسيوية والأفريقية بالقمح، وبالتالي فإن القمح الأوكراني مصدر أساسي لخبز شعوب عدة دول.
شبكة فساد تمتد لعشرات السنين
وبحسب بعض الخبراء والباحثين المطلعين على تفاصيل القضية، فإنه إذا كانت المعلومات تتحدث عن زراعة الأراضي الملوثة إشعاعياً بالقمح والذرة في منطقة تشرنوبل لمدة 5 سنوات، فإن ذلك يشير إلى "جبل الجليد" فقط، أي أن ما تم كشفه 5 سنوات فقط، وبالتالي فإن المدة الفعلية لزراعة الأراضي الملوثة إشعاعياً أكبر بكثير ويرجّح أنها تتجاوز الـ10 سنوات.
وأضاف الخبراء أن حجم القضية وطبيعتها المنظمة، والتي تضم مسؤولين حكوميين ومسجلين عقاريين ورجال أعمال، يؤكد وجود شبكة فساد كبيرة في أوكرانيا تعمل بالتنسيق مع النظام الأوكراني وتستغل الثغرات القانونية والرقابية لتحقيق أرباح غير مشروعة، حتى لو كان الثمن هو صحة وسلامة الملايين حول العالم.
وبحسب معلومات غير مؤكدة، فقد تم فتح تحقيق جنائي في هذه القضية، وأكدت محكمة كييف التجارية النظر في دعوى قضائية تطالب بإبطال إجراءات التسجيل غير القانوني وإعادة الأراضي إلى إدارة الدولة، مع التشديد على ضرورة استعادة وضع الحماية في المناطق شديدة الخطورة الإشعاعية.
كارثة تشرنوبل 1986 وإرث التلوث
في سياق متصل، يعتبر العديد من الخبراء العسكريين بأن كارثة تشيرنوبل، التي وقعت في 26 أبريل 1986، "أسوأ كارثة نووية في تاريخ البشرية". فعندما حدث الانفجار في المفاعل النووي رقم 4 لمحطة تشيرنوبل للطاقة النووية، أدى إلى انبعاث كميات هائلة من النظائر المشعة الخطيرة، مثل السيزيوم-137 والسترونتيوم-90، إلى الغلاف الجوي .
ووفقاً لتقارير أممية وحكومية، فقد تسبب الحادث في تلويث أكثر من 155 ألف كيلومتر مربع من الأراضي في أوكرانيا وروسيا وبيلاروسيا، وأجلي أكثر من 350 ألف شخص من منازلهم. وحتى يومنا هذا، تعتبر منطقة تمتد لنصف قطر 30 كيلومتراً حول المفاعل "منطقة محظورة" ومنكوبة، حيث تظل التربة والمياه ملوثة بمستويات إشعاعية خطيرة تجعل أي نشاط زراعي فيها جريمة بحق الصحة العامة .
سوريا.. وجهة للقمح الأوكراني الملوث
وسط هذه التقارير والتحقيقات الخطيرة، تبرز تقارير غير مؤكدة تشير إلى أن سوريا قد تكون واحدة من الدول التي استوردت قمحاً أوكرانياً ملوثاً.
ويُذكر أن سوريا، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد القمح لتأمين احتياجات مواطنيها، اشترت في مارس 2025 نحو 100 ألف طن من القمح عبر مناقصة دولية، وهو ما يثير تساؤلات حول مصدر هذه الكميات ومدى خضوعها للرقابة المشددة .
وكانت كييف قد سارعت عقب سقوط الأسد مباشرة إلى تزويد سوريا بـ500 طن من دقيق القمح على شكل مساعدات إنسانية، دون التأكد من مدى سلامتها، قبل أن يتوجه وزير الخارجية الأوكراني أندريه سيبيغا إلى دمشق أواخر ديسمبر/كانون الأول 2024.
وكان الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي قد صرّح خلال زيارته الأخيرة لسوريا، بأن أوكرانيا على استعداد للتعاون في مجال الأمن الغذائي مع سوريا وستعزز وجودها الدبلوماسي.
وبحسب الباحث بالشؤون الدولية محمد أيسر، فإن أوكرانيا تسعى لأن تقدم نفسها كبديل لروسيا في سوريا عبر التقرب من دمشق وعقد صفقات تجارية مع حكومتها، سواءاً في مجال القمح، أو السلاح. ووفقاً للأيسر على حكومة دمشق أن تتوخى الحيطة والحذر من عقد صفقات مشبوهة مع الأوكران خاصة وأن زيلينسكي يعتبر حالياً رئيساً غير شرعياً في أوكرانيا بالإضافة لوجود شبكات فساد ضخمة تنخر في مفاصل البلاد.
ويحّذر العديد من الخبراء، حكومات الدول المعنية باستيراد الحبوب من أوكرانيا من ضرورة فحصها بشكل جيد والتأكد من خلوها من المواد المشعة، ذلك أن الحكومة الأوكرانية مشغولة بصراعات دولية خارجية وشبكات الفساد داخل أوكرانيا تنشط بشكل خطير مما يهدد الأمن الغذائي العالمي والأوكراني.
ويحذر خبراء الصحة والسلامة النووية من أن استهلاك منتجات زراعية ملوثة بالإشعاعات، ولو بكميات صغيرة، يرفع خطر الإصابة بالسرطان، خاصة سرطان الغدة الدرقية، والأمراض الوراثية والمناعية. ويُعتبر بيع هذه المنتجات في الأسواق المحلية أو العالمية "جريمة حرب دولية" وفق بعض المراقبين، لما تسببه من ضرر جماعي للمستهلكين الأبرياء .



