قبل أن تكتمل الدولة…
رُسم علمها.
ليس خطأً.
ليس تسرعًا.
بل لأن من رسمه فهم ما لم يفهمه المؤرخون بعد:
الدول لا تُرسم بعد أن تكتمل…
الدول تكتمل لأنها رُسمت!
1928.
لا حدود راسخة بعد.
لا سيادة مضمونة.
لا أحد يعرف ماذا سيتبقى من هذه البقعة
بعد أن تنتهي الإمبراطوريات من تقاسم أحلامها.
والعالم كله يُعيد رسم نفسه بالحبر والدم.
ومع ذلك…
في تلك اللحظة بالذات…
رُسم المثلث.
وامتدت الألوان.
ووُضعت النجمة في القلب.
كأن من رسم كان يقول:
نحن لسنا هنا بإذن أحد.
نحن هنا لأننا كُتبنا!
الأسود أولًا.
ليس لونًا للحداد.
بل لون الدول التي مرّت من هنا وحكمت:
العباسيون.
الراشدون.
كل من قال "هذه الأرض لنا"…
ثم رحل.
الأبيض بعده.
نقاء الوعد.
بياض الكلمة المعطاة.
لون كل من آمن بأن الحق سيُعلن يومًا
على راية لا تُطوى!
ثم الأخضر.
أقدم اللونين وأبقاهما.
كان هنا قبل الخرائط.
وسيبقى بعدها.
لأن الأخضر لا يحتاج إذنًا من أحد
ليكون!
أما الأحمر…
فليس لونًا.
الأحمر هو الثمن.
الثمن الذي دُفع حتى تبقى الألوان الأخرى
في مكانها.
الأحمر لا يُشرح.
الأحمر يُدفع!
والمثلث.
لم يُوضع عبثًا على الجانب.
المثلث ليس زخرفة.
المثلث إسفين!
ما يدخل كالإسفين…
لا يُخرجه أحد بسهولة.
هذا العلم لا يطلب مكانًا.
هو يُثبّت نفسه في المكان!
الحلم قال ذات يوم: أمة واحدة.
راية واحدة.
قلب واحد يدق من المحيط إلى الخليج.
فانكسرت الجغرافيا.
وتشققت الأرض على خرائط لم يرسمها أصحابها.
وسقطت عواصم ظنت نفسها أبدية.
وصرخت أيديولوجيات ثم خرست.
وقامت ثورات باسم الفجر…
فجاءت بليل أطول وأشد.
لكن شيئًا واحدًا لم يتغير:
هذه الألوان.
هذا المثلث.
هذه النجمة في هذا القلب بالذات!
الأحلام حين تفشل تُدفن.
إلا حين تكون مرسومة على راية.
هنا… لا تُدفن.
هنا تُرفع كل صباح
وكأن شيئًا لم يكن!
النجمة.
سبعة أضلاع.
ليس رقمًا اعتباطيًا.
سبعة لأن الوحدة لم تكن يومًا مكانًا جغرافيًا واحدًا.
كانت دائمًا تحالفًا من طبقات:
قبائل.
مناطق.
تاريخ.
إيمان.
وعد.
دم.
وأمل.
كل ضلع يحمل ثقله.
وكلها معًا تصنع شكلًا واحدًا لا يتفكك!
وفي وسط النجمة…
سبع كلمات.
تُقال منذ فجر الإسلام.
قِيلت في المغارة.
وفي المعركة.
وفوق المنابر.
وفي آخر أنفاس من رحل.
وُضعت في قلب العلم
لا لتُقرأ…
بل لتُذكّر:
من يضع الفاتحة في قلبه
لا يخاف ما يأتي بعدها!
قرن كامل.
والمنطقة لم تتوقف عن السؤال.
سألت عن الحدود…
فتغيرت الحدود.
سألت عن الأنظمة…
فسقطت أنظمة.
سألت عن الهوية…
فضاعت هويات.
سألت عن المستقبل…
فجاء المستقبل بأسئلة أكثر.
وفي كل مرة كانت المنطقة تسأل…
كان هذا العلم يُرفرف
فوق كل ذلك الصخب
في صمت لا يشبه الضعف.
يشبه اليقين!
لم يُجب على سؤال واحد.
لأنه لم يُسأل أصلًا!
ليس لأنه لا يعرف…
بل لأن السؤال نفسه
لا يعنيه!
الدولة التي تُبنى على إجابة…
تُحاصَر بها حين تتغير الأسئلة.
والتي تُبنى على سؤال…
تُستنزف فيه حين لا تجد الجواب.
أما التي كُتبت قبل الأسئلة…
فلا تعرف الحصار.
ولا تعرف الاستنزاف.
هي لا تُثبت نفسها…
هي تُسقط الحاجة إلى الإثبات!
اليوم يوم العلم.
لكن هذا العلم لا يحتاج يومًا.
اليوم هو الذي يحتاجه!
كل يوم يُرفع فيه هذا العلم
يصبح يوم العلم.
كل طفل ينظر إليه دون أن يعرف التاريخ
يحمل التاريخ كله دون أن يشعر.
لأنه مسكون وساكن فيه!
كل ريح تُحركه
تحمل معها قرنًا من الصمود
في رفرفة واحدة!
ستعود الأسئلة.
دائمًا تعود.
عن الهوية.
عن الحدود.
عن المعنى.
عن ما بعد؟
لكن ما كُتب قبل كل الأسئلة…
لا يتزعزع بأي منها.
سيبقى المثلث إسفينًا.
وستبقى الألوان تحمل أثمانها.
وستبقى النجمة في القلب لا تُزاح.
وستبقى الكلمات السبع تبدأ كل شيء
ولا تنتهي.
لأن ما يُكتب جوابًا… يُستبدل حين يتغير السؤال.
وما يُكتب شرحًا… يُناقش حين يتغير الفهم.
أما ما كُتب قبل أن يُسأل —
فلا يُستبدل.
ولا يُناقَش.
ولا يُهزم.
يُرفرف فقط…
كما كان.
وكما سيبقى!



