يلجأ كثير من الأزواج إلى الانفصال الصامت أو ما يعرف بـ"الطلاق العاطفي" باعتباره وسيلة لحماية الأطفال من مخاطر الطلاق الرسمي، بينما تستمر الحياة تحت سقف واحد في أجواء من الجفاء والتوتر والكآبة. تبدو البيوت متماسكة من الخارج، لكنها هشة من الداخل، لتبقى الأسئلة مفتوحة: هل يمنح الطلاق العاطفي الأطفال بيتا أكثر استقرارا، أم يخلف جراحا نفسية أعمق من الطلاق الرسمي أحيانا؟
جيران تحت سقف واحد
يعرف الطلاق العاطفي بأنه انقطاع جسدي ونفسي وعقلي وروحي وعاطفي بين الزوجين مع استمرار العيش معا، حيث تفقد العلاقة معناها واتصالها العاطفي دون انفصال قانوني. يعيش الزوجان كـ"زملاء سكن" يقتصر تواصلهما على الحد الأدنى اللازم لإدارة شؤون البيت، ويتسع الانفصال ليشمل ما يعرف بـ"الصمت الرقمي"، حين ينغمس كل طرف في جهازه الخاص بدلا من التفاعل مع الآخر.
وأظهرت دراسة سعودية بعنوان "تأثير الطلاق العاطفي على الصحة النفسية للنساء المتزوجات في المملكة"، نشرت عام 2023، أن 78% من المشاركات أظهرن مستويات متوسطة إلى عالية من الطلاق العاطفي، الذي لا يتحول غالبا إلى طلاق رسمي لأسباب أبرزها:
- القيود الثقافية والاجتماعية، إذ ينظر إلى الطلاق في مجتمعات عديدة بوصفه وصمة، فيدفع ذلك الأزواج للاستمرار في علاقات منتهية حفاظا على الصورة الخارجية.
- الأعباء الاقتصادية المترتبة على الطلاق، وافتقار كثير من النساء المطلقات إلى الاستقلال المادي.
- الاعتقاد بأن بقاء العلاقة شكلا "تضحية" من أجل الأبناء والحفاظ على أسرة كاملة ولو على الورق.
- الصعوبات القانونية التي تواجهها بعض النساء في الحصول على الطلاق، مما يجعل الانفصال الصامت مخرجا شبه وحيد.
هل الانفصال الصامت في صالح الأطفال؟
"لا، ليس في صالح الأطفال بأي شكل، في الواقع هو أنانية شديدة!" بهذه الحدة تجيب استشارية الأمراض العصبية والنفسية الدكتورة رشا عبد الباري زكي، مشيرة إلى أن المشكلات المتراكمة التي تترك لسنوات دون حلول تعد السبب الرئيسي وراء الطلاق العاطفي، حين يعجز الزوجان عن مواجهة أزماتهما أو لا يملكان الشجاعة لاتخاذ قرار واضح.
وتقول "الانفصال الصامت قرار مشترك بأن يأخذ كل طرف مساحته دون صدام أو احتكاك، ومن دون طلاق، ثم يبدأ الزوجان في تبرير هذا الوضع بأسباب مختلفة، من بينها مصلحة الأولاد، لكنها في الواقع أنانية مطلقة ولا علاقة لها بمصلحة الأطفال"، بحسب الجزيرة.
وتضيف: "الزوجة من ناحية لا ترغب في خسارة الدعم المادي والاجتماعي، خاصة مع التقدم في العمر وتراجع فرص الزواج، ولا يرغب الزوج في خسارة وضعه كرَبّ أسرة مستقر. وغالبا ما يكون لديه سبب خفي من اثنين: إما محبة باقية تمنعه من الطلاق، أو أنانية شديدة تدفعه للإبقاء على الزوجة تجنبا لخسائر مادية كالنفقات أو السكن وغيرهما".
وتؤكد الدكتورة رشا أن هذا الوضع لا يخدم الأبناء بأي حال، وتتابع: "نرى اليوم عددا كبيرا من الأسر وصل إلى هذا النمط، أب غير سعيد لأنه ليس زوجا حقيقيا، وامرأة محبطة وغير سعيدة، وعلاقة عجيبة بلا اسم ولا معنى، تعكس في الأغلب شخصيات غير سويّة".
أثر الطلاق العاطفي على الأبناء
تصف الدكتورة رشا تأثير الانفصال الصامت على الأبناء بأنه "كارثي"، وتوضح: "يتعلم الأطفال مبكرا أن طريقة التعامل مع المشكلات هي الانسحاب، وأن الصمت هو الحل الأمثل. يكبر هؤلاء وهم يميلون إلى الانسحاب أو الصمت عند أول أزمة، ويفشلون في الدفاع عن حقوقهم، وعندما يتزوجون يعيدون إنتاج النموذج نفسه".
وتشدد على أن "الانفصال الصامت يبقى في النهاية انفصالا، سواء وثق على الورق أم لا".
وفي مراجعة علمية صادرة عن وزارة العدل الكندية، يصف مختصون الانفصال "عالي الصراع" بأشكاله الرسمية وغير الرسمية بأنه أحد أكبر مصادر الضغط النفسي في حياة الطفل، مع ما قد يترتب عليه من:
- اضطرابات نفسية مثل القلق والاكتئاب وانخفاض تقدير الذات والشعور بعدم الأمان.
- سلوك عدواني أو انسحابي وصعوبة في تنظيم المشاعر.
- تراجع الأداء الدراسي ومشكلات في التركيز.
- صراعات داخلية وشعور بالذنب وصراعات ولاء بين الأب والأم.
- آثار طويلة المدى كصعوبات في بناء العلاقات لاحقا وارتفاع احتمالات الطلاق لديهم.
مع ذلك، يؤكد المختصون أن هذه النتائج ليست مصيرا حتميا، وأن الطلاق بحد ذاته ليس "حكما بالفشل"، إذ تتعلق الآثار السلبية أساسا بطبيعة الصراع والظروف المحيطة به، لا بمجرد وقوع الانفصال.
انفصال صامت أم طلاق واضح؟
لا ترى الدكتورة رشا أن السؤال الأساسي هو أي القرارين أفضل: الاستمرار في انفصال صامت أم اللجوء إلى الطلاق، بل تركز على سؤال آخر: "هل الزوجان سويّان أم لا؟".
وتشرح: "الأشخاص الأسوياء عندما يفقدون رغبتهم في الاستمرار كزوجين، يتخذون قرارا واضحا بطلاق فيه مودة ورحمة، لا يفقد فيه الأطفال أبا أو أما، بل ينتقلون إلى شكل مختلف من الأسرة، بنماذج صحية للتواصل، واجتماعات في المناسبات، وتبادل للاهتمام دون صراع دائم".
وتضيف: "الأم السوية لا تحرم الطفل من والده بعد الطلاق، والأب السوي لا يعاقب الأم بأولادها ولا يساوم على احتياجاتهم. أما الأطراف غير السوية فتعاني ويعاني أطفالها في كل الأحوال، سواء كان الطلاق رسميا أم صامتا".
وتشير دراسة هولندية إلى أن "الصراع" هو كلمة السر في الآثار التي قد تلحق بالأبناء، في حالتي الانفصال الصامت أو الرسمي، فالتأثير لا يرتبط بنوع الانفصال بقدر ما يرتبط بمستوى الصراع قبله وأثناءه. وتشير الدراسة إلى أن الأطفال الذين يعيشون في أجواء من الصراع الأسري المرتفع تضعف علاقتهم بوالديهم لاحقا، بصرف النظر عن الشكل القانوني للعلاقة.
كيف نواجه الطلاق العاطفي؟
بحسب المختصين، تعد جودة العلاقة بين الوالدين العامل الأهم في حماية الصحة النفسية للأطفال، أكثر من مجرد البقاء معا تحت سقف واحد. فبيت يسوده صمت وجفاء وصراع مكتوم ليس بالضرورة أكثر أمانا من بيتين منفصلين يسودهما احترام وتواصل صحي.
وترى الدكتورة رشا عبد الباري أن الطريق إلى حل مشكلة الطلاق العاطفي يبدأ من "الحديث الصادق" بين الزوجين، وتقول: "السؤال الجوهري، هل يمكنهما فعلا استعادة العلاقة والعودة كزوجين حقيقيين أم أن الاستمرار أصبح مستحيلا؟ هنا يأتي دور مستشاري العلاقات الزوجية في العيادات النفسية، فقد يساعدون على رأب الصدع وإحياء العلاقة، وإذا استحال ذلك يساعدون الزوجين على الانفصال بشكل لائق ورحيم من أجل أطفالهما".
وتختم بالإشارة إلى أن "القرار الناضج ليس هو البقاء بأي ثمن، بل أن يسأل كل من الزوجين نفسه: أي نموذج عائلي أريد لأطفالي أن يعيشوا فيه ويعيدوا إنتاجه لاحقا؟".



