خبرني - لم تسقط بغداد فقط في التاسع من نيسان عام 2003 بل سقط معها نظام ينظر اليه حارسا لبوابة الشرق وتهاوى توازن كامل كان يحكم الشرق الأوسط لعقود، ما حدث في ذلك اليوم لم يكن مجرد نهاية نظام سياسي بل بداية مرحلة جديدة لم تستقر حتى الآن وما زالت المنطقة تدفع ثمنها حتى هذه اللحظة.
جاء سقوط بغداد ضمن سياق غزو العراق 2003 بقيادة الولايات المتحدة تحت عناوين كبيرة خادعة تبين زيفها لاحقا مثل أسلحة الدمار الشامل ونشر الديمقراطية لكن الواقع الذي تكشف لاحقا كان مختلف تماما، الدولة العراقية انهارت والمؤسسات تفككت والشارع دخل في حالة فوضى غير مسبوقة وكأن بلد كامل تم تفريغه من داخله في أيام قليلة.
العراق لم يسقط فقط بسبب القوة العسكرية الأمريكية بل لأنه دخل الحرب وهو منهك ومحاصر ومنعزل وجيشه يفتقد للدعم والتحديث منذ سنوات طويلة لكن الأهم من ذلك أن السقوط كشف عن خلل عميق في الداخل وعن صراعات وتداخلات إقليمية كانت تنتظر لحظة الانفجار.
في هذه اللحظة تحديدا برز الدور الإيراني بشكل واضح، لم تكن طهران مجرد مراقب لما يحدث بل تعاملت مع سقوط بغداد كفرصة تاريخية لتوسعة الهلال الشيعي وزيادة مساحة نفوذها في الاقليم، ومع تقدم القوات الأمريكية من جهة كانت هناك روايات كثيرة تتحدث عن دخول عناصر وكتائب مسلحة مرتبطة بإيران إلى داخل العراق واستهدافها للجيش العراقي من الخلف في الوقت الذي كان يواجه فيه القوات الأمريكية من الأمام، هذا المشهد يعكس حقيقة أن العراق لم يكن يواجه عدو واحد فقط!
وبمجرد سقوط بغداد بدأت إيران تتحرك بسرعة لملء الفراغ، نفوذها لم يأت عبر الجيوش التقليدية بل عبر شبكة معقدة من الحلفاء المحليين والقوى المسلحة ما منحها حضور عميق داخل العراق ثم امتد لاحقا إلى سوريا ولبنان، وهنا بدأت مرحلة جديدة في المنطقة عنوانها أن الدول لم تعد وحدها من يصنع القرار بل تشاركها فيه قوى ونفوذ عابر للحدود تتقدمه طهران.
وليس هذا المشهد جديد في التاريخ، فبغداد كانت دائما نقطة تحول في مصير المنطقة، فمنذ سقوط بغداد سنة 1258 على يد المغول انهار مركز الخلافة العباسية ودخل العالم الإسلامي في مرحلة طويلة من التفكك والضعف، وتكرر المشهد بصيغ مختلفة عبر القرون حيث كان سقوط بغداد يعني غالبا بداية اختلال واسع في موازين القوى في الشرق، وما حدث في 2003 أعاد إنتاج هذا النمط التاريخي ولكن بأدوات حديثة وقوى دولية.
في المقابل لم تخرج الولايات المتحدة منتصرة كما كانت تتوقع، نعم أسقطت النظام لكنها لم تستطع بناء استقرار حقيقي، دخلت في حرب طويلة مكلفة ومعقدة وانتهى بها الأمر إلى الانسحاب دون أن تحقق شرق أوسط مستقر كما وعدت بل على العكس تركت وراءها منطقة أكثر هشاشة وأكثر قابلية للاشتعال.
أما إسرائيل فقد تغيرت حساباتها بالكامل، لم يعد هناك خصم واضح ومباشر مثل العراق بل ظهر بدلا منه تهديد أكثر تعقيد يتمثل في نفوذ إيراني يمتد عبر أكثر من ساحة، في السابق لم تكن العلاقة بين الطرفين مواجهة مباشرة بل كانت تمر أحيانا عبر مسارات غير معلنة وتقاطعات في بعض الملفات لكن مع الوقت تحولت هذه العلاقة إلى صراع واضح على النفوذ ومحاولة لإعادة رسم موازين القوى في المنطقة، اليوم لم تعد المواجهة مع جيش نظامي يمكن تحديده بسهولة بل أصبحت مع شبكة مترابطة من القوى تمتد من جنوب لبنان إلى غزة مرورا بسوريا والعراق وهذا ما جعل الصراع أكثر تعقيد وأقل قابلية للحسم.
اليوم عندما ننظر إلى التوترات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى من الصعب فصلها عن لحظة سقوط بغداد، ما يحدث في غزة وفي لبنان وفي البحر الأحمر وحتى في الخليج ليس أحداث منفصلة بل فصول مختلفة من قصة بدأت فعليا عام 2003.
الشرق الأوسط اليوم لا يعيش حرب واحدة بل يعيش حالة اشتباك مستمر تتغير فيها الأدوات والأماكن لكن الجوهر واحد، لم يعد هناك خط واضح بين الحرب والسلم ولا بين الدولة وغير الدولة وكل جبهة مرتبطة بالأخرى بطريقة أو بأخرى.
بعد اكثر من عقدين من الزمن لم تنته حرب العراق كما ظن كثيرون بل تغير شكلها فقط، لم تعد المعارك تخاض بالدبابات في الشوارع فقط ، بل تحولت الى نفوذ متشابك وصراعات غير مباشرة واصطفافات معقدة تتبدل وجوهها باستمرار، وربما لم يعد السؤال الاهم
ماذا حدث في بغداد عام 2003؟
بل ماذا بدأ ببغداد ولماذا ما زال مستمرا حتى اليوم؟



