في تظاهرة ثقافية جمعت بين الأدب والدعم النفسي، احتفى معرض ميسيساجا للكتاب العربي بإطلاق الكتاب الأحدث للكاتبة والباحثة هناء الرملي بعنوان: "إلى أطفال غزة: أنتم فلسطين.. تصبحون على نورها وخيرها". ويعد هذا الإصدار سابقة في المكتبة العربية، حيث يوظف منهجية "الأدب العلاجي" (Bibliotherapy) لتمكين الأطفال من تجاوز صدمات الحروب وإعادة الاتصال بجذورهم الوطنية.
ندوة حوارية: قصص الأطفال في مواجهة حروب الإبادة
شهد حفل الإشهار ندوة حوارية عميقة أدارتها الكاتبة آسين شلهوب، حملت عناوين استراتيجية: "الأدب العلاجي مساحة حماية وأمان للطفولة"، و*"دور الأدب في الحفاظ على الهوية الوطنية لدى أطفال الشتات كآلية علاجية"*.
مدخل: قوة الحكاية في زمن الانكسار لا تبدأ الحكايات دائماً بعبارة "كان يا ما كان"، بل تبدأ أحياناً من وسط الركام، ومن تحت ظلال الخيام، لتكون هي الوتد الذي يثبت الروح أمام عواصف الفقد. في هذه الندوة، تم تسليط الضوء على مفهوم "الأدب العلاجي" (Bibliotherapy)، ليس كترف أدبي، بل كضرورة ملحة وأداة نجاة لأطفالنا الذين يواجهون أبشع صور الحروب والصدمات.
ترميم الذاكرة بـ 12 قصة و12 قصيدة
يأخذ الكتاب القراء الصغار في رحلة بصرية وشعورية عبر مجموعة قصص وقصائد (أغنيات على نمط أغاني التراث الفلسطيني)، تتضمن 12 قصة و12 قصيدة. تعمل هذه القصص، مثل "خيال دمى ظل الخيام" و*"رحلة الأعشاب والشفاء"، و"عصفور الشمس الفلسطيني في سماء الحرية"، و"مفاتيح العودة في رقبة الجدة"، و"الثوب الفلسطيني المطرز بخيوط الذكريات"*، كأداة لترميم الروح وبناء "المرونة النفسية" (Resilience)، وتحويل الصدمة إلى طاقة صمود وإبداع من خلال:
الإسقاط النفسي: حين يرى الطفل بطلاً يواجه خوفه، يبدأ في استيعاب مشاعره الخاصة وتفريغها.
إعادة بناء الأمان: عبر الارتباط بالحواس (رائحة الزعتر، زهر اللوز) للعودة للشعور بالاتصال بالأرض والواقع.
تحويل الصورة النمطية: الانتقال بالطفل من صفة "ضحية" إلى "صامد" يمتلك أدوات الحل بالخيال والإبداع.
فلسطين في الذاكرة: من المفتاح إلى "الكود"
تميزت الندوة باستعراض كيفية توظيف التراث الفلسطيني كعنصر علاجي؛ فالكاتبة لم تكتفِ بسرد التاريخ، بل حولت الرموز إلى طاقة شفائية:
المفتاح والثوب: هما "مرساة" الهوية التي تحمي طفل الشتات والجاليات من الضياع الثقافي.
عصفور الشمس: رمز للحرية التي لا يمكن حبسها.
التكنولوجيا والمستقبل: بإدخال عالم البرمجة والذكاء الاصطناعي، تخرج الكاتبة بالطفل من حصار الماضي إلى فضاءات الفعل والتمكين العالمي.
رسالة إلى الجاليات العربية في كندا
وجهت الندوة رسالة مباشرة للعائلات في المغترب، مؤكدة أن الحفاظ على هوية الطفل وانتمائه لجذوره هو جزء لا يتجزأ من صحته النفسية؛ فالانتماء لقصة "فلسطين" يمنح الطفل في كندا شعوراً بالفخر والقوة، ويجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الاندماج دون ذوبان.
إضافة نوعية ومشروع عالمي
يمثل الكتاب إضافة نوعية لمعرض الكتاب نظراً لريادته كأول عمل تخصصي في هذا المجال، وتماشيه مع قيم كندا في دعم حقوق الطفل والعدالة الإنسانية. وكشفت الرملي أن هذا الكتاب هو حجر الأساس لمشروع إنساني عالمي وسلسلة بعنوان (لعصافيرنا أجنحة وقمح)، ستصدر بشكل دوري لتصل للأطفال في فلسطين، لبنان، سوريا، اليمن، السودان، العراق، وليبيا، وللأطفال الذين يعانون من الظلم والقهر في كل مكان.
"إن القصة هي الخبز اليومي للروح.. هي محاولة جادة لمواجهة حرب الإبادة بحرب الإرادة، ولنثبت أن الذاكرة الفلسطينية عصية على المحو، وأن أطفالنا هم النور الذي سيشرق غداً." – هناء الرملي
صدى إعلامي وتوجه نحو العالمية
حظي الكتاب باهتمام إعلامي لافت، حيث استضاف راديو كندا الدولي عبر الإعلامي سمير بن جعفر الكاتبة هناء الرملي في لقاء خاص. وتناول اللقاء فلسفة تحويل المعاناة إلى نص إبداعي قادر على الشفاء، كما كشفت الرملي عن مشروع ترجمة الكتاب إلى الإنجليزية والفرنسية، ليكون صوتاً عالمياً ينقل تجربة الطفل الفلسطيني إلى المجتمع الكندي والغربي، مؤكدة أن "الكلمة قد تكون أحياناً الدواء الوحيد المتاح".
شهد جناح الكاتبة في المعرض نقاشات حيوية مع الأهالي والزوار، الذين استلهموا من الكتاب طرقاً جديدة للحديث مع أطفالهم عن القضايا الكبرى بأسلوب تربوي ونفسي متزن. وأكد الحاضرون أن رؤية الرملي في دمج الهندسة المعمارية للفكر مع هندسة الروح في كتاباتها، تجعل من أعمالها مرجعاً أساسياً في أدب الطفل المعاصر.
الكتاب دعوة لكل تربوي، وأب، وأم، ليدركوا أن القصة هي "الخبز اليومي" للروح. هي محاولة جادة لمواجهة حرب الإبادة بحرب الإرادة، ولنثبت أن الذاكرة الفلسطينية عصية على المحو، وأن أطفالنا -أينما وجدوا- هم النور الذي سيشرق غداً.
حول معرض ميسيساجا للكتاب العربي (Mississauga Arabic Book Fair) تظاهرة ثقافية رائدة ومنصة تجمع المبدعين العرب بالجالية في أمريكا الشمالية. يهدف المعرض لتعزيز حضور اللغة العربية كوعاء حضاري، ويوفر فضاءً للحوار ودعم أدب الطفل والإنتاج المعرفي المعاصر في المهجر.
حول دار "لوما" للنشر والتوزيع (Luma Publishing) دار نشر كندية متخصصة في تقديم محتوى أدبي يجمع بين الجودة الفنية والقيمة الإنسانية. تلتزم الدار بدعم الأصوات المبدعة وتعمل كجسر لنقل الإبداع العربي إلى الساحة العالمية.
هناء الرملي، مهندسة استشارية وكاتبة وباحثة متخصصة في الثقافة الرقمية وأدب الطفل العلاجي. نالت العديد من التكريمات الدولية، منها لقب "المرأة التي تحارب الفقر بالكتب" ولقب "مغيرة الحياة" وجائزة التميز الكندية للعمل المجتمعي، وتُعد من الرواد في توظيف الأدب لحماية الطفولة وبناء الوعي وتحقيق الأمان الرقمي والأمان النفسي. وهي رئيسة جمعية كتابي كتابك لثقافة الطفل والأسرة حيث أنشأت ٤٦ مكتبة عامة في القرى ومخيمات اللاجئين ومراكز الأيتام في الأردن.



