خبرني - بعد أيام من انطلاقهم في مهمة حملتهم إلى أبعد نقطة عن الأرض يبلغها البشر على الإطلاق، اختتم روّاد الفضاء ضمن مهمّة "أرتيمس 2" رحلتهم حول القمر وباتوا في طريقهم إلى الأرض.
فالمهمة، التي انطلقت بهدف اختبار مركبة "أوريون" وإعادة البشر إلى الفضاء السحيق تمهيداً للهبوط مجدداً على سطح القمر، وضعت طاقمها في مسار يبتعد مئات آلاف الكيلومترات عن الأرض.
واليوم، وبعد إتمام هذا التحليق، أصبحت المركبة في طريق العودة، حاملة معها مشاهد وبيانات تُعد من بين الأكثر تفصيلاً في تاريخ الاكتشافات الفضائية.
من الأرض إلى القمر...
منذ لحظة الإطلاق، صُممت "أرتيمس 2" كرحلة اختبار شاملة: لا هبوط على القمر، بل دوران حوله والعودة بأمان. على مدى الأيام الماضية، اقتربت المركبة تدريجياً من القمر، قبل أن تدخل المرحلة الحاسمة — التحليق القريب الذي سيحدد نجاح المهمة.
هذا النوع من الرحلات يعيد إلى الأذهان مهمات "أبولو" التي حملت البشر إلى سطح القمر.
خلف القمر... 40 دقيقة تختصر كل المخاطر
مع اقتراب المركبة من الجانب البعيد من القمر، بدأ العد العكسي للحظة الصمت. فبمجرد اختفاء "أوريون" خلف القمر، انقطع الاتصال مع الأرض لنحو 40 دقيقة — وهي فترة مخطط لها، لكنها تحمل دائماً هامشاً من القلق. خلال هذه الدقائق، لم يكن أمام المركبة سوى الاعتماد على أنظمتها الذاتية، لتنفيذ مناورة أساسية بمحركاتها تهدف إلى تعديل المسار ووضعها على طريق العودة.
في مركز التحكم، تابع المهندسون بصمت مؤشرات غير مباشرة، فيما كان الطاقم، على بُعد مئات آلاف الكيلومترات، يعمل وحده. وعندما عادت الإشارة، ظهرت أولاً على الشاشات، ثم تدفقت البيانات، قبل أن يُكسر الصمت بصوت كريستينا كوتش وهي تخاطب مركز القيادة في ناسا: " إنه لأمر رائع أن نسمع الأرض مجدداً". كلمات بسيطة وعادية، لكنها كانت كافية لإنهاء واحدة من أكثر الفترات توتراً في الرحلة.
القمر عن قرب... "قراءة الصخور" ورصد غير مسبوق
عند أقرب نقطة من القمر، بدا القمر وكأنه يملأ كامل المشهد: الفوهات، السلاسل الجبلية، والسهول الداكنة مرّت ببطء أمام نوافذ المركبة، في مشهد وصفه الرواد لاحقاً بأنه "غير قابل للاستيعاب".
وعلى ارتفاع يقارب 9 آلاف كيلومتر، بدأ الطاقم تنفيذ برنامج رصد دقيق، طُلب منهم خلاله "قراءة الصخور": تحديد المعالم الجيولوجية، تصويرها، وتوثيقها صوتياً.
رأى الرواد فوهات على شكل بقع مضيئة بألوان متفاوتة، ولاحظوا أن الخط الفاصل بين الضوء والظل بدا "مسنناً" بسبب تضاريس القمر الوعرة.
كما تابعوا ظواهر مثل الومضات الناتجة عن اصطدام نيازك صغيرة، وراقبوا المناطق القطبية التي قد تحتوي على جليد مائي — وهي مواقع مرشحة لمهمات الهبوط المستقبلية.
وإلى جانب الصور، سجلوا ملاحظات صوتية ورسموا اسكتشات سريعة، في عمل يشبه ما يقوم به علماء الفلك، لكن هذه المرة من داخل مركبة فضاء.
ما لا تلتقطه الكاميرات... الصوت والتجربة البشرية
ورغم أهمية الصور، فإن ما يقوله الرواد كان محور اهتمام خاص لدى العلماء. فالوصف المباشر لما يرونه — لحظة بلحظة — يوفر بعداً إضافياً من الفهم لا يمكن للكاميرات وحدها نقله.
ولهذا، طُلب منهم تسجيل انطباعاتهم وتوصيفاتهم، التي ستُحلَّل لاحقًا إلى جانب البيانات العلمية.
وتقول رئيسة العلوم في ناسا، نيكولا فوكس، إن أكثر ما تنتظره هو سماع كيف تحمس الرواد عند النظر إلى القمر عن قرب، مشيرة إلى أن هذه اللحظات تحمل قيمة إنسانية عميقة، وقد تكون مؤثرة إلى حد البكاء.
كسوف شمسي... ومشهد "يشبه الخيال العلمي"
بعد التحليق، دخلت المهمة مرحلة أخرى استثنائية: كسوف شمسي كلي، لكن ليس كما يُرى من الأرض. هذه المرة، كان القمر يحجب الشمس عن المركبة نفسها، كاشفًا الإكليل الشمسي كحلقة ضوء تحيط بقرص مظلم.
وفي الخلفية، ظهرت الأرض ككرة مضيئة.
وصف فيكتور غلوفر المشهد قائلاً: "لقد دخلنا في مرحلة تشبه الخيال العلمي... يبدو الأمر كما لو أنه غير واقعي"، مشيرًا إلى وضوح "ضوء الأرض" حتى بعد اختفاء الشمس.
أما القائد ريد وايزمان، فذهب أبعد من ذلك، قائلاً إن ما يرونه "لا يمكن وصفه"، وإن عقولهم "لا تستطيع استيعاب الصورة"، مضيفًا أنهم سيحتاجون إلى "اختراع كلمات جديدة" لوصف هذه التجربة.
اتصال من ترامب
في خضم هذه اللحظات، تلقى الطاقم اتصالاً من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي هنأهم قائلاً إنهم "صنعوا التاريخ". وسألهم عن تجربتهم خلال فقدان الاتصال، فأجاب غلوفر بأنه ردد "دعاءً صغيراً"، لكنه واصل العمل. فيما أشار وايزمان إلى أنهم شاهدوا مناظر "لم يرها أي إنسان من قبل"، معبّراً عن حماسة الطاقم لفكرة أن تصبح البشرية "نوعاً يعيش على كوكبين".
كما وجّه ترامب دعوة للطاقم لزيارة البيت الأبيض بعد عودتهم، في خطوة تعكس البعد الرمزي والسياسي لهذه المهمة، إلى جانب بعدها العلمي.
الآن... رحلة العودة وما بعدها
اليوم، وبعد إتمام التحليق، أصبحت "أوريون" في طريق العودة إلى الأرض، في رحلة تستغرق نحو أربعة أيام قبل الهبوط في المحيط الهادئ. وخلال هذه الفترة، ستستمر البيانات والصور التي جُمعت — خصوصاً من الجانب البعيد للقمر — بالتدفق على العلماء لتحليلها.
لكن أهمية هذه المهمة لا تتوقف عند ما جُمع من بيانات، بل تمتد إلى ما تمثله: خطوة عملية نحو إعادة البشر إلى القمر بحلول عام 2028، مع هدف أبعد يتمثل في بناء وجود بشري مستدام هناك.
وكما تقول ناسا، فإن القمر ليس الوجهة النهائية، بل محطة على طريق أطول — نحو المريخ، وربما أبعد من ذلك.



