ليست الحروب وحدها من تقتل الناس، بل الجشع حين يرتدي ثوب التجارة، ويختبئ خلف دخان الأزمات. ففي أوقات الشدّة، لا تتكشّف فقط هشاشة الأنظمة، بل تنكشف أيضًا حقيقة النفوس؛ من يصون، ومن يخون، من يربح بشرف، ومن يبتز الحاجة بلا رحمة.
ما نشهده اليوم لا يمكن اختزاله في كونه تقلبات اقتصادية عابرة، بل هو سلوكٌ يتغذّى على القلق العام، ويستقوي على حاجة الناس. يحدث ذلك رغم وضوح المعطيات التي تؤكد وفرة المخزون الاستراتيجي للمواد الأساسية، واستقرار سلاسل الإمداد بفضل سياسات احترازية مدروسة. ومع ذلك، يخرج من بيننا من اختار أن يجرّد نفسه من كل قيمة، فلا ضمير يردعه، ولا أخلاق تكبح اندفاعه نحو الربح بأي ثمن.
يرفعون الأسعار بلا مبرر حقيقي، ويتذرّعون باضطرابات لم تمسّ كلفهم، ويحتكرون السلع التي امتلأت بها مستودعاتهم أصلًا، انتظارًا للحظة يضاعفون فيها أرباحهم على حساب معاناة الناس. هؤلاء لا يمارسون تجارة، بل يرتكبون فعلاً أقرب إلى الخيانة الاقتصادية؛ يعبثون بأقوات العباد، ويحوّلون الخوف إلى فرصة، والحاجة إلى سلعة، والإنسان إلى رقم في معادلة الربح.
وما يفعلونه ليس مجرد مخالفة قانونية، بل سقوط أخلاقي مدوٍّ، يكشف عن فراغ قيمي عميق. فالتجارة في جوهرها مسؤولية قبل أن تكون ربحًا، وأمانة قبل أن تكون فرصة. ومن يفقد هذا المعنى، يفقد مبرر وجوده في السوق والمجتمع معًا.
إن السكوت على هذه الممارسات لا يفاقم الأزمة فحسب، بل يمنحها شرعية غير مستحقة. ومن هنا، يصبح التحرك الحازم ضرورة لا تحتمل التأجيل: رقابة ميدانية صارمة، محاسبة علنية، وفضح لكل من تسوّل له نفسه التلاعب بقوت الناس أو إخفاء السلع لتحقيق مكاسب غير مشروعة. فهؤلاء لا يستحقون الستر، بل المواجهة، ولا التبرير، بل الردع.
وفي المقابل، يبقى الأمل معقودًا على أولئك الذين لم تفسدهم الأزمات، فحافظوا على نزاهة تجارتهم، وأدركوا أن الثقة هي رأس المال الحقيقي، وأن الضمير الحيّ لا يُقدّر بثمن.
حفظ الله الوطن وأهله من كل سوء، وجعل من هذه المحن فرصةً لفرز القيم، حيث يسقط الزيف، ويبقى ما ينفع وكما قيل قديما وعلى لسان حكماء العصور - .
فالأزمات لا تصنع الفاسدين… بل تكشفهم.. وها نحن اليوم نؤشر عليهم .



