إشارة إلى بلاغ دولتكم الصادر اليوم الاثنين والمتعلق بترشيد الاستهلاك وضبط الإنفاق في جميع المؤسسات الحكومية والدوائر الرسمية والهيئات العامة، فإنني أتقدم لدولتكم بكل الاحترام والتقدير على هذا التوجه المسؤول الذي يعكس حرص الحكومة على إدارة الموارد العامة بكفاءة، خصوصا في ظل الظروف الراهنة، وكم تمنيت لو كان التعميم على مستوى الدولة يقود إلى "ترشيد الطاقة" لا أن يقتصر على "ترشيد الاستهلاك الحكومي" فقط.
ومن منطلق عملي السابق مساعدا لأمين عام وزارة، أؤكد لدولتكم أن هذه القرارات من حيث المبدأ إيجابية ومطلوبة، إلا أنني أرى من موقع الخبرة، أن حجم الترشيد المتوقع منها قد لا يكون مؤثرا بالشكل الكافي على الاقتصاد الوطني، إذا لم ترفق بإجراءات عملية أوسع وأكثر قابلية للقياس والمتابعة، إذ أن بعض القرارات قد تواجه صعوبة في التطبيق أو قد تبرر استثناءاتها بصورة واسعة؛ فعلى سبيل المثال، فإن منع استخدام المركبات الحكومية خارج أوقات الدوام الرسمي قد تلجأ بعض المؤسسات إلى تبريره تحت عناوين "متابعة العمل الرسمي" أو الضرورة وهذا يحصل دائما، مما قد يفرغ القرار من أثره الحقيقي ما لم تحدد ضوابط رقابية دقيقة ومؤشرات قياس واضحة.
كما أن منع استخدام المكيفات ووسائل التدفئة بشكل مطلق قد لا يكون واقعيا أو قابلا للالتزام الكامل، لأن توفير بيئة عمل مناسبة للموظفين يعد من مقومات رفع الإنتاجية وضمان سلامة الأداء الوظيفي، الأمر الذي قد يؤدي إلى تجاوزات أو التزام شكلي فقط.
وحرصا مني على دعم توجه دولتكم، أضع بين أيديكم مجموعة من المقترحات العملية الإضافية التي يمكن أن تحقق وفرا أكبر في استهلاك الطاقة وترشيد النفقات العامة لا بل على المستوى الوطني، وبما يضمن نتائج ملموسة على أرض الواقع:
أولا: ترشيد الإنارة في الوزارات والمؤسسات الحكومية بعد الدوام من خلال إصدار تعميم واضح وملزم بإطفاء جميع الأنوار داخل الوزارات والمؤسسات بعد انتهاء الدوام الرسمي، باستثناء مواقع الحراسة أو الأقسام المناوبة وفق الحاجة فقط، ومنع تشغيل الإنارة الخارجية للمباني الحكومية بكامل طاقتها ليلا والاكتفاء بإنارة أمنية محدودة، وتكليف وحدات الرقابة الداخلية بمتابعة هذا الأمر بشكل يومي، وربطه بمؤشرات قياس شهرية لفواتير الكهرباء.
ثانيا: تنظيم إنارة الشوارع والطرق العامة من خلال إعادة تقييم مستوى إنارة الشوارع في المناطق التي لا تحتاج إلى إنارة عالية، وخاصة في الطرق الفرعية أو الشوارع قليلة الحركة، وتقليل ساعات تشغيل إنارة الشوارع في بعض المواقع غير الحيوية، أو اعتماد التشغيل الجزئي (مثلا تشغيل نصف الأعمدة بالتناوب)، وتركيب أنظمة إنارة ذكية تعتمد على حساسات الحركة أو تخفيض الإضاءة تلقائيا في ساعات الليل المتأخرة، وإعطاء أولوية لاستبدال الإنارة القديمة في الشوارع بإنارة LED، لما لها من أثر كبير في خفض الاستهلاك.
ثالثا: إلزام الشركات والمنشآت الخاصة بإطفاء الإنارة بعد الدوام من خلال إصدار تعليمات أو أنظمة بلدية تلزم الشركات والمحال التجارية والمكاتب الخاصة بإطفاء الإنارة الداخلية والخارجية بعد انتهاء ساعات العمل، خصوصا في المباني الإدارية والمولات والمجمعات التجارية، ومنع تشغيل الإنارة الدعائية (الإعلانات المضيئة واللوحات الإعلانية) بعد ساعة محددة ليلا، باستثناء المواقع الحيوية أو السياحية، وفرض مخالفات مالية واضحة على المنشآت المخالفة، وربط ذلك بترخيص المهن أو تجديد الرخص.
رابعا: تقليل الإنارة غير الضرورية في المؤسسات العامة ومنع تشغيل الزينة الضوئية أو الإضاءات غير الضرورية في المباني الحكومية إلا في المناسبات الرسمية المحددة وبسقف زمني واضح، وضبط إنارة الحدائق العامة والساحات الحكومية بحيث تكون إنارة أمنية فقط وليس إنارة تجميلية عالية الاستهلاك.
خامسا: تنظيم عمل المراكز التجارية والمرافق كثيفة الاستهلاك عبر مراجعة ساعات عمل المولات والأسواق الكبرى بحيث يتم تقليل ساعات التشغيل المتأخرة في حال ثبت أن كلف الطاقة فيها مرتفعة وغير مبررة، وإلزام المنشآت الكبرى بتركيب عدادات فرعية لمراقبة الاستهلاك وربط ذلك بتقارير دورية.
سادسا: إنشاء برنامج وطني لخفض استهلاك الطاقة وربطه بالتقارير الشهرية عن طريق إعداد تقرير شهري يرفع لدولتكم يوضح استهلاك الكهرباء والمياه في كل وزارة ومؤسسة مقارنة بالشهر السابق، ونشر النتائج بشكل رسمي لتعزيز مبدأ الشفافية والمساءلة، ووضع "مؤشر أداء للطاقة" لكل وزارة وربطه بتقييم الإدارات العليا.
سابعا: ضبط تشغيل أجهزة التكييف والإنارة في المؤسسات الخاصة والحكومية وإلزام المؤسسات بعدم تشغيل التكييف أو الإنارة قبل بداية الدوام الرسمي بوقت طويل أو بعد انتهائه دون مبرر.
ثامنا: تفعيل الرقابة الميدانية من البلديات وشركات الكهرباء عبر تكليف البلديات وأمانة عمان وشركات توزيع الكهرباء بالتعاون في إعداد حملات رقابية ليلية لرصد الإضاءة غير الضرورية في الشوارع والمحال والمؤسسات، وإعداد آلية إنذار ثم مخالفة ثم إغلاق إداري مؤقت للمخالفات المتكررة.
دولة الرئيس،،
إن المطلوب ترشيد الطاقة وهو ليس فقط إجراء إداريا نقوم به في الحالات الطارئة كالتي نعيش فيها، بل هو سلوك وطني عام يحتاج إلى تشريعات واضحة ورقابة صارمة، والأهم أنه يجب أن يشمل القطاعين العام والخاص معا، لأن حجم الاستهلاك الأكبر لا يقتصر على الوزارات والمؤسسات الحكومية وحدها، بل يمتد إلى الإنارة العامة والمنشآت التجارية والإعلانات والمباني الخاصة.
وتفضلوا دولة الرئيس، بقبول فائق الاحترام والتقدير.



