تشهد المنطقة في السنوات الأخيرة سلسلة متلاحقة من الأزمات الجيوسياسية التي لم تعد آثارها تقتصر على الجانب العسكري أو السياسي، بل أصبحت تمتد بعمق إلى الاقتصاد والأمن الغذائي والطاقة والاستقرار الاجتماعي. والحرب الامريكية - الاسرائيلية على ايران تمثل واحدة من أخطر هذه الأزمات، ليس فقط بسبب طبيعتها العسكرية، بل بسبب موقعها الجغرافي وتأثيرها المباشر على أسواق الطاقة العالمية وسلاسل الإمداد والتجارة الدولية. وتشير التحليلات الاقتصادية والدراسة الصادرة مؤخرا" عن المركز العربي للابحاث ودراسة السياسات ومقره الدوحة, الى ان هذه الأزمة تأتي في وقت يعاني فيه الاقتصاد العالمي أصلاً من حالة عدم يقين منذ جائحة كورونا، ثم الحرب الروسية الأوكرانية، وما تبع ذلك من تضخم وارتفاع في أسعار الطاقة واضطراب في حركة التجارة، مما جعل العالم أكثر حساسية لأي صدمة جديدة.
وتؤكد الدراسة على ان أول ما تكشفه هذه الحرب هو هشاشة النظام الاقتصادي في المنطقة، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة والسلع الأساسية. فتعطّل الإمدادات أو ارتفاع الأسعار لا ينعكس فقط على كلفة الوقود، بل يمتد ليؤثر في الكهرباء والنقل والإنتاج والصناعة وحتى أسعار الغذاء. وقد أظهرت الأزمة أن أي اضطراب في الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز، يمكن أن يؤدي إلى ارتفاع كبير في أسعار النفط والغاز، وهو ما يضع الدول المستوردة للطاقة، ومنها الأردن، أمام ضغوط مالية واقتصادية كبيرة. فعندما تتوقف إمدادات الغاز أو ترتفع أسعار الطاقة، تضطر الحكومات إلى استخدام بدائل أكثر كلفة، مما يزيد العبء على الموازنة العامة ويرفع كلفة الإنتاج ويؤثر في القدرة الشرائية للمواطنين.
ولا تقف آثار الحرب عند قطاع الطاقة فقط، بل تمتد إلى الأمن الغذائي وسلاسل الإمداد. فارتفاع أسعار الوقود يؤدي إلى ارتفاع تكاليف النقل والشحن، مما ينعكس مباشرة على أسعار السلع الأساسية. كما أن اضطراب إنتاج الأسمدة أو ارتفاع أسعارها يؤثر في الزراعة عالمياً، وهو ما يؤدي في النهاية إلى ارتفاع أسعار الغذاء، خاصة في الدول التي تعتمد على الاستيراد. وهذا يوضح أن الأمن الاقتصادي لم يعد مرتبطاً فقط بالنمو، بل أصبح مرتبطاً بقدرة الدولة او الاقتصاد على الصمود في أوقات الأزمات.
ومن أهم الدروس التي تفرضها هذه الأزمة حسب الدراسة أن الاعتماد الكامل على الخارج لم يعد خياراً آمناً. فالدول التي لا تمتلك إنتاجاً محلياً في القطاعات الحيوية تكون أكثر عرضة للتأثر عند حدوث أي صدمة سياسية أو عسكرية. وهذا لا يعني أن على الدول أن تحقق اكتفاءً ذاتياً كاملاً، فذلك غير ممكن في كثير من الحالات، خاصة في دول محدودة الموارد مثل الأردن، لكن المطلوب هو تحقيق اكتفاء نسبي ذكي في القطاعات الأساسية مثل الطاقة، والغذاء، والصناعات الدوائية، والخدمات الحيوية. فالهدف ليس الاستغناء عن العالم، بل تقليل مستوى المخاطر عندما تتعطل سلاسل الإمداد أو ترتفع الأسعار بشكل مفاجئ.
ومن أكثر المجالات التي أثبتت الأزمة أهميتها مجال الطاقة، حيث أصبح من الواضح أن الاعتماد على مصدر واحد أو مورد واحد يمثل خطراً استراتيجياً. لذلك فإن تنويع مصادر الطاقة لم يعد خياراً اقتصادياً فقط، بل ضرورة أمنية. ويشمل ذلك التوسع في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، وتعزيز الربط الكهربائي الإقليمي، وتأمين مصادر متعددة للغاز، إضافة إلى الاستثمار في التخزين الاستراتيجي للطاقة. وقد حقق الأردن تقدماً ملحوظاً في الطاقة المتجددة، لكن التجربة أثبتت أن إنتاج الطاقة وحده لا يكفي، بل يجب أيضاً ضمان استمرارية الإمداد في الظروف الطارئة.
كما تكشف هذه الأزمة أن مفهوم الاقتصاد القوي يجب أن يتغير. ففي أوقات الاستقرار يكون التركيز على النمو والاستثمار والسياحة والخدمات، لكن في أوقات الاضطراب تصبح الأولوية للاقتصاد القادر على الصمود. وهذا يعني وجود احتياطيات مالية كافية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج المحلي، وبناء بنية تحتية قوية، والحفاظ على مؤسسات مستقرة قادرة على التعامل مع الأزمات. وقد أظهرت التجارب أن الاقتصادات التي تعتمد بشكل كبير على قطاع واحد، مثل السياحة أو التحويلات أو المساعدات، تكون أكثر



