وقال: "ما أقوم به هو إعداد ألمانيا للدفاع عن نفسها، عبر بناء هذه القدرات. هذا هو الردع بالنسبة لنا. سنردع التهديد القادم من الجانب الروسي".

بمعنى آخر: الاستعداد للحرب لتجنّبها.

لكن ماذا عن "الاستقلال العملياتي"؟ وهل يمكن لأوروبا أن تبني منظومة دفاعية قادرة على خوض حرب كبرى من دون الولايات المتحدة؟

تُعد وزارة الدفاع الأمريكية أكبر جهة توظيف في الولايات المتحدة، ومن المتوقع أن تنفق نحو 961.6 مليار دولار هذا العام، وهو رقم يفوق بكثير التزامات ألمانيا الجديدة، وكذلك الزيادات المتوقعة لدى حلفاء مثل بريطانيا وفرنسا.

وتقول صوفيا بيش: "عند النظر إلى حجم الإنفاق، لا مفر من القول إن ألمانيا ستلعب دوراً محورياً في رسم مستقبل الدفاع والأمن في أوروبا".

وتضيف: "لكنني لا أعتقد أن هناك دولة أوروبية واحدة يمكنها أن تحل محل الولايات المتحدة. قد يبدو من المغري التساؤل عما إذا كانت ألمانيا أو فرنسا قادرتين على القيام بهذا الدور، لكن هذا ليس نمط التعاون الأوروبي، حيث يسود البحث عن التوافق.

كما أن هناك مسألة ثقة. فالدور الذي لعبته الولايات المتحدة في الدفاع الأوروبي بُني على مدى عقود، وكذلك الثقة المرتبطة به، ومن الصعب تعويض ذلك بين ليلة وضحاها".

لكن هذه الثقة بدأت تتآكل. فقد تراجعت ثقة الألمان في الولايات المتحدة بشكل ملحوظ خلال الولاية الثانية لدونالد ترامب. ففي عام 2024، قبل إعادة انتخابه، قال 74 في المئة من الألمان في استطلاع أجراه مركز بيو إنهم يثقون بالعلاقة بين البلدين. لكن في 2025، رأى 27 في المئة فقط أن العلاقات مع الولايات المتحدة جيدة، مقابل 73 في المئة اعتبروها سيئة.

 

أمة لا غنى عنها؟

ربما يكون أوضح ما يعكس تغيّر دور ألمانيا في أوروبا هو تبدّل نظرة جيرانها إليها. فالنزعة العسكرية الألمانية طبعت القرن العشرين، أما اليوم فتُظهر استطلاعات الرأي أن وجودها العسكري في ليتوانيا يحظى بقبول واسع.

في عام 2011، وقف وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي في برلين وألقى خطاباً فاجأ كثيرين من الدبلوماسيين الألمان الحاضرين، بالنظر إلى إرث الاحتلال النازي لبلاده. دعا ألمانيا إلى أن تتقدم وتؤدي دوراً قيادياً في أوروبا. كان ذلك في خضم أزمة اليورو، وكان المقصود دوراً اقتصادياً أكثر منه عسكرياً، لكنه ظل لحظة مفصلية. قال يومها: "أخشى تقاعس ألمانيا أكثر مما أخشى قوتها"، واصفاً إياها بـ"الدولة التي لا غنى عنها" في أوروبا.

ويقول الجنرال البولندي المتقاعد أندجي فالكوفيسكي، الذي شغل منصب نائب رئيس الأركان وعمل لسنوات داخل حلف الناتو، إن إعادة تسلّح ألمانيا "خبر جيد لبولندا وأوروبا والناتو".

ويضيف: "نعرف تاريخها العسكري، ونعرف موقعنا نحن. كنا دائماً بين قوتين كبيرتين.

بعد 1989، فضّلت ألمانيا الإنفاق على الاقتصاد والخدمات الاجتماعية، كالتعليم، وتركَت مسألة الدفاع جانباً، لأنها كانت ترى أن هناك من يشكّل حاجزاً شرقاً… ونحن كنا هذا الحاجز.

لكنها اليوم أصبحت رابع أكبر منفق عسكري في العالم. وباعتبارها أقوى اقتصاد في أوروبا، فمن الطبيعي أن تزيد إنفاقها، وهذا في مصلحة بولندا وأوروبا".

وخلال الحديث مع الجنرال بروير، كان لافتاً إصراره المتكرر على لغة التعاون. وكأن ألمانيا، بحكم تاريخها، ما زالت حريصة على ألا تُفهم خطواتها على أنها سعي للهيمنة.

أكثر ما شدّ الانتباه كان رده على سؤال أخير. قال بعد انتهاء المقابلة إن السؤال بدا له "محرجاً ومحيّراً". سألته: "أنت على الأرجح أكثر العسكريين نفوذاً في أوروبا… هل تشعر بثقل ذلك؟"

فأجاب: "أشعر بالمسؤولية كل يوم. مسؤولية الجنود الذين أقودهم في ألمانيا. أنا واحد من بين 182 ألف جندي، وأشعر بثقل القيادة. وأنا سعيد بأن أكون جزءاً من هذا الفريق، لأننا معاً سنواجه هذا التحدي ونتعامل معه".

وعند تأسيس حلف الناتو، قيل إن الهدف هو إبقاء الأمريكيين داخل أوروبا، والروس خارجها، والألمان تحت السيطرة.

اليوم، وبعد ثمانية عقود، تغيّر المشهد. لم تعد ألمانيا في موقع الانكفاء، بل عادت إلى الواجهة، أعادت تسليح نفسها، وأصبحت في قلب موازين القوة الجديدة في أوروبا.