*
الثلاثاء: 24 آذار 2026
  • 24 آذار 2026
  • 10:39
‫المهلة التي لم تُنفَّذ‬ ‫ترامب أجّل الضربة وهرمز لا يزال مغلقاً وماء الوجه لا يزال يُباع بالجملة‬
الكاتب: عماد داود

حين يرفع رجل يده ليضرب ثم يتوقف، لا نسمّي ذلك رحمةً بالضرورة — وحين يُسمّي هو توقّفه "محادثات منتجة جداً"، لا نسمّي ذلك دبلوماسيةً بالضرورة أيضاً. بين الرحمة والدبلوماسية مسافةٌ اسمها ماء الوجه، وهي العملة الوحيدة التي لا تنخفض قيمتها في زمن الحروب!‬
‫هرمز لا يزال مغلقاً. الصواريخ لا تزال تسقط على الرياض وأبوظبي. وترامب أعطى إيران خمسة أيام لم يُعلن ثمنها — لأن الثمن الحقيقي لا يُعلَن أبداً حين يكون ماء الوجه.‬
‫هذا هو الخبر الحقيقي خلف الخبر العاجل.‬
‫وهو خبرٌ يمسّ الأردن قبل أن يمسّ غيره — لأن كل يوم يبقى فيه هرمز مغلقاً هو يوم تدفع فيه المملكة فاتورةً لم تكتبها بيدها.‬
‫منذ الثامن والعشرين من فبراير، والمشهد يسير على منطق واحد: كل تصعيد يفتح باباً لتصعيد أكبر، وكل تهديد يُنتج تهديداً مضاداً أشد. ترامب هدّد بـ"محو" محطات الكهرباء الإيرانية إذا لم يُفتح هرمز قبل منتصف ليل الإثنين. إيران ردّت بأنها ستحوّل الخليج العربي كله إلى حقل ألغام بحرية إذا مُسّت سواحلها. والحرس الثوري أعلن استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة كلها. ثم جاء الصباح — وجاء معه "المهلة الثانية": خمسة أيام، بسبب محادثات "عميقة ومفصّلة وبنّاءة".‬
‫لاحظ الصفات التي اختارها ترامب بنفسه.‬
‫"عميقة ومفصّلة وبنّاءة" — هذه ليست لغة الرجل الذي كتب قبل ثمانٍ وأربعين ساعة بالأحرف الكبيرة أنه سيُدمّر المحطات "الكبيرة أولاً". هذه لغة من يحتاج أن يُقنع جمهوره أن التراجع كان اختياراً استراتيجياً لا اضطراراً. والفرق بين الاثنين ليس في القرار بل في الرواية التي تُلبسه.‬
‫والروايات في هذه الحرب أهم من الضربات.‬
‫إيران تعرف هذا جيداً. لذلك حين أغلقت هرمز لم تُغلقه بقرار عسكري مجرّد، بل بمنطق استراتيجي محسوب: أنت تستطيع أن تضربني، لكنك لا تستطيع أن تتحمّل ما يأتي بعد الضربة. خُمس نفط الأرض يمر من هذا المضيق الضيّق. وكالة الطاقة الدولية قالت ما لم تقله منذ السبعينيات: الأزمة أعمق من صدمتَي النفط ١٩٧٣ و١٩٧٩ مجتمعتين. والتضخم الذي يُحرق أسواق آسيا وأوروبا لا يتوقف عند الخليج — بل يصل إلى ناخبي أوهايو وبنسلفانيا، وهم الفئة التي لا يتحمّل ترامب غضبها في أي حساب سياسي.‬
‫هذا بالضبط ما أوقف الضربة — لا الدبلوماسية.‬
‫الدبلوماسية تأتي بعد ذلك لتُلبس القرار ثوباً مقبولاً. "المحادثات المنتجة" ليست سبب التأجيل، بل هي غطاؤه. والفرق بين السبب والغطاء هو الفرق بين فهم ما يجري وتصديق ما يُقال.‬
‫لكن هذا لا يعني أن إيران انتصرت. إيران تنزّ دماً منذ أربعة وعشرين يوماً — إنترنتها مقطوع، عاصمتها تُقصف بموجة جديدة من الغارات، أطفالها يُولدون في مستشفيات بلا كهرباء احتياطية كافية، وطوابير الوقود في طهران تُخبر عن دولة تحتضر ببطء تحت الحصار. إيران لم تنتصر — لكنها نجحت في شيء أدق وأهم: جعلت ثمن ضربها أعلى مما يستطيع أحد أن يدفعه بهدوء.‬
‫وهذا فنٌّ استراتيجي قائم بذاته.‬
‫الدول التي تواجه القوى الكبرى لا تنتصر بالتعادل في الميدان — بل بجعل الميدان نفسه غير قابل للربح. إيران لا تملك أسطولاً يوازي "جيرالد فورد" الراسي قبالة كريت، ولا طيراناً يُنافس الـF-35 فوق طهران. لكنها تملك مضيقاً يستطيع أن يُفجّر الاقتصاد العالمي، وألغاماً بحرية لا تميّز بين ناقلة نفط كويتية وفرقاطة أمريكية، وصواريخ تصل إلى الرياض وأبوظبي والمنامة والكويت في ليلة واحدة.‬
‫هذا ما يُسمّيه المنظّرون الاستراتيجيون "نقل الألم" — أنا لا أستطيع أن أهزمك، لكنني أستطيع أن أجعل هزيمتي مُكلفةً عليك بما يكفي لأن تُفكّر مرتين.‬
‫والتفكيرة الثانية هي ما أنتجت الخمسة أيام.‬
‫الآن — وقبل أن ننتشي بقراءة هذه الخطوة بوصفها بداية السلام — علينا أن نرى ما لا يُقال في البيانات الرسمية: هرمز لا يزال مغلقاً. الألغام المهدَّد بها لم تُوضع ولم تُرفع. إسرائيل أعلنت أنها قد تحتاج أسابيع إضافية لإنهاء عملياتها. والحرس الثوري لم يُصدر أي بيان يُشير إلى أن التفاوض مقبول من حيث المبدأ.‬
‫فعن أي محادثات "عميقة ومفصّلة" يتحدث ترامب إذن؟‬
‫ربما كانت قنوات خلفية لا تُعلَن. وربما — وهذا الاحتمال لا يُستهان به — كانت الخمسة أيام هي الرسالة ذاتها: أنا لن أضرب الآن، والكرة في ملعبك، افتح هرمز أو نرى ما بعد الأيام الخمسة.‬
‫في هذه الحالة التأجيل ليس انفراجاً. هو ضغطٌ مُلبَّس برداء المرونة.‬
‫وهنا يكمن جوهر ما يجري: الحرب لم تدخل مرحلة الحل، بل دخلت مرحلة المساومة على شروط الحل. وهذه المرحلة أحياناً أطول وأكثر دماً من الحرب الصريحة — لأن كل طرف يستمر في الضغط الميداني بينما يتفاوض على الطاولة، ليدخل كل جولة بأوراق أقوى.‬
‫فالمهلة التي لم تُنفَّذ اليوم ليست نهاية التهديد. هي تحوّله إلى أداة تفاوض.‬
‫وأدوات التفاوض لا تُستخدَم إلا مرة واحدة بكامل قوتها — فإذا انتهت الخمسة أيام دون نتيجة وعاد ترامب إلى التهديد بالمحطات، سيجد أن التهديد نفسه صار أرخص في السوق. لأن من يهدد ثم لا يُنفّذ، يبيع ورقةً كانت بمليار بدولار!‬
‫وإيران تعرف أسعار هذا السوق جيداً.‬
‫لذلك الأيام الخمسة المقبلة ليست راحة. هي الاختبار الحقيقي لمعادلة صعبة: هل يوجد حل يُقنع ترامب بأنه "أجبر إيران"، ويُقنع طهران بأنها "أوقفت الضربة"؟ هل يمكن لطرفين يتبادلان تهديدات الإبادة أن يجدا صيغةً يربح فيها كلاهما روايةً مقبولة لشعبيهما؟‬
‫الإجابة ممكنة نظرياً. لكنها تحتاج شيئاً نادراً في السياسة الدولية المعاصرة: زعيمين يقبلان أن يتنازلا في السر مقابل أن ينتصرا في العلن.‬
‫وهذا النوع من الاتفاقيات لا يُكتَب في الصحف. يُكتَب في الغرف التي لا تُذكَر أسماؤها.‬
‫حتى ذلك الحين، الضوء الإيراني لا يزال مُهدَّداً. والمضيق لا يزال مغلقاً. وفي مكان ما من الخليج ناقلة نفط تنتظر إذناً لا يصدر — وربّانها لا يعرف أن الرجل الذي يحدّد مصيرها كتب بالأحرف الكبيرة كلمةً اسمها "خمسة أيام"، ثم ذهب ليُغرّد!‬
 

مواضيع قد تعجبك