*
الاثنين: 23 آذار 2026
  • 23 آذار 2026
  • 20:35
وداعا للسمنة جزيء في دم الأفاعي يبشر بثورة في أدوية إنقاص الوزن

خبرني - يسعى العلماء منذ سنوات إلى تطوير علاجات للسمنة تساعد على تقليل الشهية دون التأثير سلبا في طاقة الجسم أو كتلته العضلية. ورغم التقدم الذي حققته الأدوية الحديثة، لا تزال هناك تحديات تتعلق بالآثار الجانبية أو فقدان التوازن الأيضي.

في هذا السياق، يتجه البحث العلمي بشكل متزايد إلى الطبيعة، بحثا عن نماذج بيولوجية يمكن أن تقدم حلولا مختلفة وأكثر دقة.

كائن بقدرات استثنائية
من بين هذه النماذج، لفتت الأفاعي انتباه العلماء بسبب قدرتها الاستثنائية على التعامل مع الغذاء. فبعض أنواع الثعابين يمكنها تناول وجبات ضخمة تعادل حجمها تقريبا، ثم البقاء لفترات طويلة دون طعام، مع الحفاظ على وظائف الجسم بشكل طبيعي.

هذا السلوك غير المعتاد دفع الباحثين إلى محاولة فهم الآليات التي تسمح لها بتنظيم الشهية والطاقة بهذه الكفاءة.

وكشفت دراسة علمية حديثة نُشرت في دورية نيتشر ميتابوليزم (Nature Metabolism) عن جزيء موجود في دم الأفاعي قد يشكل أساسا لتطوير جيل جديد من أدوية إنقاص الوزن.

وتركزت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعات ستانفورد وكولورادو وبايلور، على فهم كيفية تعامل الأفاعي مع وجبات ضخمة دون أن تفقد توازنها الأيضي.

واعتمدت الدراسة على تحليل دم أنواع من الثعابين، خصوصا "الأصلة البورمية"، قبل تناول الطعام وبعده ، بهدف تتبع التغيرات الكيميائية التي ترافق عملية الهضم.

وعند دراسة ما يحدث داخل جسم الأفعى بعد تناول الطعام، تبين أن هناك تغيرات سريعة وكبيرة في عمليات الأيض. إذ يرتفع معدل حرق الطاقة بشكل ملحوظ، وتعمل الأعضاء الحيوية بكفاءة أعلى لهضم الوجبة. هذه التغيرات لا تحدث بشكل عشوائي، بل تنظمها شبكة معقدة من الإشارات الكيميائية التي تنتقل عبر الدم.

اكتشاف جزيء pTOS
ولفهم هذه العملية بشكل أدق، حلل ا لباحثون مكونات دم الأفاعي قبل التغذية وبعدها . وقد كشف هذا التحليل عن مئات المركبات التي يتغير تركيزها بعد تناول الطعام، لكن أحد هذه المركبات كان الأكثر إثارة للاهتمام. يُعرف هذا الجزيء باسم "pTOS"، وقد لوحظ أن مستواه يرتفع بشكل كبير جدا بعد الأكل مقارنة بحالة الصيام.


عندما اختبر العلماء هذا الجزيء على حيوانات تعاني من السمنة، كانت النتائج لافتة. فقد أدى إلى تقليل كمية الطعام التي تتناولها هذه الحيوانات، وساهم في فقدان الوزن، دون أن يسبب انخفاضا في النشاط أو فقدانا في الكتلة العضلية.

وتكمن أهمية هذه النتائج في أنها تعالج إحدى أبرز مشكلات أدوية السمنة الحالية، التي قد تؤثر أحيانا على طاقة الجسم أو بنيته العضلية.

استهداف مباشر
وتشير الدراسات الأولية إلى أن هذا الجزيء يعمل بطريقة مختلفة عن معظم الأدوية المتوفرة حاليا. فبدلا من التأثير على المعدة أو إبطاء عملية الهضم، يبدو أنه يستهدف مباشرة مناطق في الدماغ مسؤولة عن تنظيم الشعور بالجوع والشبع. وهذا يعني أنه قد يساعد على تقليل الرغبة في تناول الطعام من المصدر، أي من الإشارات العصبية نفسها.

ومن النقاط التي تعزز أهمية هذا الاكتشاف أن هذا المركب ليس غريبا تماما عن جسم الإنسان، بل يوجد فيه بكميات صغيرة، ويرتفع بشكل طبيعي بعد تناول الطعام. هذا الأمر قد يسهل تطويره مستقبلا كعلاج؛ لأنه يعتمد على آلية موجودة أصلا في الجسم، وليس على إدخال مادة غريبة بالكامل.

في المقابل، تعتمد معظم أدوية السمنة الحالية على التأثير في الجهاز الهضمي أو الهرمونات المرتبطة به. ورغم فعاليتها، فإنها قد تسبب آثارا جانبية مثل الغثيان أو اضطرابات الهضم. أما هذا الاكتشاف الجديد، فيطرح احتمال تطوير علاج يعمل بطريقة أكثر توازنا، عبر تنظيم الشهية دون التأثير الكبير في بقية وظائف الجسم.

مع ذلك، لا يزال هذا المسار البحثي في مراحله الأولى. فقد أجريت التجارب حتى الآن على الحيوانات فقط، ولم تبدأ بعد الدراسات السريرية الواسعة على البشر. وهذا يعني أن الطريق لا يزال طويلا قبل التأكد من فعالية هذا الجزيء وأمانه للاستخدام الطبي.


تحديات متوقعة
ويشير الباحثون إلى أن التحديات المقبلة تشمل تحديد الجرعات المناسبة، وفهم التأثيرات طويلة المدى، والتأكد من عدم وجود آثار جانبية غير متوقعة. كما أن نجاح النتائج في الحيوانات لا يضمن بالضرورة تكرارها بالشكل ذاته لدى البشر، وهو ما يستدعي المزيد من الحذر والدراسة.

رغم هذه التحفظات، يعكس هذا الاكتشاف اتجاها مهما في البحث العلمي، يقوم على الاستفادة من النماذج الطبيعية لفهم الجسم البشري بشكل أعمق. فبدلا من تطوير أدوية تعتمد فقط على كبح الشهية بطرق تقليدية، يتجه العلماء إلى محاولة "إعادة ضبط" آليات الجوع نفسها، بما يحقق توازنا أفضل بين الحاجة إلى الغذاء والحفاظ على الصحة.

وإذا أثبتت هذه النتائج فعاليتها في المستقبل، فقد نشهد جيلا جديدا من أدوية السمنة يعتمد على تنظيم دقيق للشهية، دون التأثير في الطاقة أو الكتلة العضلية، وهو ما قد يمثل تحولا مهما في طريقة التعامل مع واحدة من أكثر المشكلات الصحية انتشارا في العالم.

مواضيع قد تعجبك