الشرق الاوسط اليوم لم تعد صراعاته تعرف بخطوط تماس تقليدية او باعداء معلنين، بل تتكشف عبر ساحات متشظية وجغرافيات متداخلة ومجالات نفوذ متنافسة، في مشهد معقد يتراجع فيه الانسان العربي عن موقع الفاعل المركزي في تقرير مصيره.
ما يتشكل في المنطقة ليس حربا واحدة، بل منظومة من المواجهات متعددة الطبقات، فمن جهة يتمدد نفوذ ايراني عبر شبكة مركبة من السرديات الايديولوجية والوكلاء المحليين والتموضع السياسي داخل عدد من الدول العربية، ومن جهة اخرى تواصل العقيدة الامنية الاسرائيلية ترسيخ حضورها في بيئات يغلب عليها عدم الاستقرار، حيث يحد التشرذم من فرص اي مواجهة موحدة ويعزز من منطق الهيمنة غير المتكافئة، وبين هاتين القوتين تقف المنطقة حيث يتآكل فيها هامش قرارها المستقل.
النموذج الايراني لا يتقدم عبر احتلال تقليدي، بل يتغلغل داخل البنى السياسية المحلية، غالبا تحت شعارات المقاومة او الشرعية الدينية، ومع مرور الوقت يعيد هذا الحضور تشكيل مؤسسات الدولة ويعيد ترتيب الاولويات الوطنية، ويطمس الحدود بين القرار الداخلي والاصطفاف الخارجي، ما يؤدي الى تآكل تدريجي في مفهوم السيادة يصعب رصده او مواجهته لانه يتخذ طابعا محليا.
اما اسرائيل فتتحرك وفق مقاربة مختلفة تقوم على التفوق العسكري والاختراق الاستخباراتي ومنطق الردع الاستراتيجي، غير ان تفوقها طويل الامد تعزز في كثير من الاحيان بفعل البيئة المحيطة، اذ يوفر الاقليم المنقسم والمنشغل بصراعاته الداخلية وولاءاته المتعددة فضاء يسمح بممارسة الضغط دون مواجهة جماعية فعالة.
قد تختلف هذه الديناميكيات في الادوات بين تمدد ايديولوجي وهيمنة استراتيجية، لكنها تلتقي في النتائج، فبالنسبة للانسان العربي تبدو التداعيات عميقة ومتشابهة في جوهرها.
في مساحات واسعة من المنطقة لم يعد المواطن يعيش ضمن اطار وطني مستقر، بل داخل بيئات متغيرة تشكلها قوى تتجاوز قدرته على التأثير، التراجع الاقتصادي وضعف المؤسسات ودورات العنف المتكررة ليست ظواهر منفصلة، بل تعبيرات عن اختلال بنيوي اعمق تتقدم فيه الاجندات الخارجية على حساب الاحتياجات الداخلية.
ما يزيد المشهد تعقيدا ليس تعدد القوى بحد ذاته، بل اعتياد حضورها، فقد مال الخطاب العام في أجزاء من المنطقة من مساءلة التدخل الخارجي إلى الاقتراب من أحد أطرافه، وكأن الخيارات باتت تنحصر بين محاور متنافسة، لا بين مسارات أكثر استقلالا.
هذا التاطير الثنائي يخفي ازمة اكثر عمقا، تراجع قدرة المجتمعات على امتلاك قرارها، فحين تتحول الهوية الى اصطفاف، ويصبح الاصطفاف بديلا عن السيادة، يضيق المجال امام اي مشروع سياسي مستقل، ويتراجع مفهوم الدولة لصالح شبكات الولاء العابرة للحدود.
في هذا السياق يبرز سؤال معقد لكنه ضروري، هل يغير اختلاف اشكال النفوذ الخارجي شيئا جوهريا بالنسبة لمن يعيشون نتائجه، من منظور جيوسياسي الفروقات قائمة، لكن من منظور انساني تبدو اقل اهمية بكثير.
سواء جاء النفوذ عبر الولاء الايديولوجي او عبر القوة العسكرية، فان التجربة المعيشية تميل الى التشابه، عدم استقرار وضغوط اقتصادية وتهميش سياسي، قد تختلف الرايات وتتعارض السرديات، لكن المسارات اليومية للناس غالبا ما تلتقي عند حدود القلق وتآكل الفرص.
هذا الطرح لا يسعى الى مساواة الاطراف، بل الى قراءة النتائج، فالشرق الاوسط اليوم ليس فقط ساحة تنافس بين قوى، بل منطقة ادى غياب مسار ذاتي متماسك فيها الى خلق فراغ استراتيجي تتسابق القوى الخارجية لملئه.
وما دام هذا الفراغ قائما، ستبقى هذه الدورة مرشحة للاستمرار، بغض النظر عن الطرف الذي يبدو متفوقا في لحظة معينة، فكسر هذه الحلقة لا يتحقق بالارتهان لمحور ضد اخر، بل باعادة توجيه الاولويات نحو الداخل، بناء مؤسسات قادرة، استعادة الفاعلية الاقتصادية، واعادة تعريف الشرعية السياسية بما يعكس احتياجات الإنسان في هذه الجغرافيا لا املاءات الخارج.
الى ان يتحقق ذلك، سيبقى الشرق الاوسط معرضا لان يظل كما اصبح تدريجيا، ليس ساحة تخاض فيها الحروب من اجل شعوبه، بل ارضا تخاض فوقها الحروب، وفي مثل هذه الارض لا يكون الخاسر هو الاضعف فقط، بل كل من لم يمنح فرصة حقيقية ليكون جزءا من القرار.



