ارتفعت أسعار النفط إلى ما فوق 110 دولارات للبرميل، بعدما أفادت وسائل إعلام إيرانية بوقوع غارة جوية استهدفت منشأة في أكبر حقل للغاز الطبيعي في العالم.
وبلغ سعر خام "برنت" 112 دولاراً للبرميل في التعاملات الآسيوية المبكرة، صباح الخميس، مسجّلاً زيادة تتجاوز 5 في المئة، مقارنة بأسعار يوم الثلاثاء، قبل أن يتراجع لاحقاً بشكل طفيف.
وجاء هذا الارتفاع عقب تقارير أفادت بتعرّض مجمّع بتروكيماويات إيراني في حقل "بارس الجنوبي" للغاز لهجوم. وبعد ساعات، أعلنت قطر وقوع "أضرار واسعة" في موقع رأس لفان الصناعي، في أعقاب تهديدات إيرانية.
ورغم القفزة في أسعار النفط والغاز، فإنها بقيت دون المستويات التي سجلتها في وقت سابق من النزاع.
فقد بلغ سعر النفط 116.78 دولاراً للبرميل في 9 مارس/آذار، بينما وصل سعر الغاز في المملكة المتحدة إلى 162.55 بنساً للوحدة الحرارية (ثيرم) في 3 مارس/آذار.
وأفادت وزارة النفط الإيرانية، وفق وكالة "تسنيم" المرتبطة بالحرس الثوري، بأن الحريق الذي اندلع في المجمع البتروكيماوي بات تحت السيطرة.
وحذّر الجيش الإيراني من أنه سيتخذ "إجراءات حاسمة" رداً على الضربة التي استهدفت بنيته التحتية للطاقة.
وجاء في بيان للجيش نشرته "تسنيم": "كما حذّرنا سابقاً، إذا تعرضت البنى التحتية للوقود والطاقة والغاز والاقتصاد في بلادنا لهجوم من قبل العدو الأميركي-الصهيوني، فإننا، إلى جانب رد قوي على العدو، سنستهدف أيضاً مصدر هذا العدوان بضربات شديدة".
وأضاف: "نعتبر استهداف البنى التحتية للوقود والطاقة والغاز في دول منشأ العدوان أمراً مشروعاً، وسنرد بقوة في أقرب وقت ممكن".
وتشغّل قطر أيضاً منشآت في هذا الحقل، الذي تطلق عليه اسم "حقل الشمال".
غير أن الدولة، التي تنتج نحو خُمس إمدادات العالم من الغاز الطبيعي المسال، كانت قد أوقفت الإنتاج في وقت سابق من مارس/آذار على خلفية النزاع.
وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية القطرية، ماجد الأنصاري، إن استهداف البنى التحتية للطاقة "يمثل تهديداً لأمن الطاقة العالمي".
وأعلنت وزارة الداخلية القطرية السيطرة على جميع الحرائق في منشأة رأس لفان للطاقة، دون تسجيل أي إصابات.
وقالت الوزارة، في بيان جديد عبر منصة "إكس"، إن أعمال تبريد الموقع وتأمينه لا تزال مستمرة، مع تولّي وحدة متخصصة التعامل مع المواد الخطرة.
وفي السياق، علّق الرئيس الأميركي دونالد ترامب على الهجوم في منشور مطوّل عبر منصة "تروث سوشيال"، واصفاً الرد بأنه غير مبرر وغير عادل، محذّراً من أن أي هجمات إضافية على "دول بريئة" مثل قطر ستقابل برد أميركي يشمل تدمير "كامل" حقل بارس الجنوبي.
وكانت رأس لفان من بين المواقع التي ذكرتها إيران في تحذيرها بأنها ستتخذ "إجراءات حاسمة"، عقب تقارير عن استهداف منشآت حقل "بارس الجنوبي" للغاز بضربات إسرائيلية.
"الحلّ بعيد المنال"
وتقول داني هيوسون، رئيسة قسم التحليل المالي في شركة "إيه جي بيل"، إن الهجوم والرد الإيراني "أسهما في إعادة تصعيد التوتر، ومارسا ضغوطاً صعودية متجددة على أسعار النفط".
وأضافت في حديثها لمراسلة بي بي سي رايتشل هان: "يبدو أن أي حل لأزمة إغلاق مضيق هرمز لا يزال بعيد المنال في الوقت الراهن، وحتى يتحقق تقدم في هذا الملف، يُرجَّح أن تظل أسواق الطاقة عرضة للتقلب".
قال ماتيو فافاس، محرر شؤون السلع في مجلة "ذي إيكونوميست" البريطانية، إن الارتفاع في أسعار الغاز يعكس تسعير الأسواق لاحتمال اضطراب طويل الأمد، واصفاً القفزة بأنها "كبيرة جداً".
وأضاف، في تصريح لبرنامج "توداي" على راديو 4 من بي بي سي، أن الآمال كانت تشير إلى إعادة تشغيل منشأة الغاز في قطر خلال أسابيع، إلا أن تكرار الهجمات يجعل هذا السيناريو مستبعداً.
ورغم ذلك، أوضح أن الأسعار لا تزال دون المستويات القياسية التي أعقبت الغزو الروسي لأوكرانيا.
وأشار فافاس إلى أن الأسعار مرشحة لمزيد من الارتفاع مع زيادة الطلب، الذي يبقى منخفضاً نسبياً في الوقت الراهن بسبب طبيعة الموسم، متوقعاً أن يرتفع الاستهلاك مع دخول فصل الصيف في الدول التي تعتمد بكثافة على أجهزة التكييف.
ولفت إلى أن أوروبا وآسيا ستسعيان إلى إعادة ملء مخزوناتهما، ما سيؤدي إلى منافسة على الإمدادات، وقد يدفع ذلك الأسعار إلى مزيد من الصعود.
وفي الولايات المتحدة، أعلن البيت الأبيض الأربعاء تعليق العمل بـ"قانون جونز" - وهو تشريع صدر عام 1920 ينص على استخدام سفن أميركية الصنع حصراً لنقل البضائع بين الموانئ الأميركية.
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض، كارولين ليفيت، إن الإعفاء لمدة 60 يوماً من هذه القواعد، التي تهدف أساساً إلى دعم صناعة بناء السفن، سيسمح لـ"موارد حيوية مثل النفط والغاز الطبيعي والأسمدة والفحم بالتدفق بحرية"، إذ بات بالإمكان استخدام سفن غير أميركية الصنع.
غير أن جماعات معنية بقطاع الشحن البحري في الولايات المتحدة رأت أن تأثير القرار سيكون محدوداً، مشيرة إلى أن ارتفاع أسعار النفط - وليس تكاليف الشحن - هو العامل الرئيسي وراء زيادة أسعار الوقود للمستهلكين.
ويقول خبراء إن محاولات سابقة لقادة عالميين لتخفيف الضغوط على الأسعار، بما في ذلك السحب غير المسبوق من الاحتياطيات النفطية، لم تفضِ إلى خفض ملموس في أسعار النفط.
وفي سياق متصل، أفاد مسؤول عراقي رفيع لوكالة "رويترز" بأن إيران علّقت أيضاً إمدادات الغاز إلى العراق لتعزيز الإمدادات المحلية.
وبحسب بيانات منتدى الدول المصدّرة للغاز، تستهلك إيران 94 في المئة من الغاز الذي تنتجه محلياً.
وكانت عشرات الدول قد أعلنت الأسبوع الماضي الإفراج عن كمية قياسية من النفط من احتياطياتها الاستراتيجية، في محاولة لمعالجة نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وكانت الدول الأعضاء في وكالة الطاقة الدولية، وعددها 32 دولة - من بينها المملكة المتحدة والولايات المتحدة وعدد من أغنى دول العالم - قررت الإفراج عن 400 مليون برميل، لمواجهة ما وصفته الوكالة بأنه تحديات "غير مسبوقة من حيث الحجم".
وأدّت الحرب الأمريكية-الإسرائيلية مع إيران إلى شبه توقف صادرات النفط عبر مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 25 في المئة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً، كما تراجعت مستويات الإنتاج في المنطقة.
وتفوق هذه الكمية أكثر من ضعف الرقم القياسي السابق الذي أفرج عنه أعضاء الوكالة عقب الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا مطلع عام 2022.
ومع ذلك، فإن هذه الكميات لا تمثل سوى ما يعادل ثلاثة إلى أربعة أيام من الإمدادات العالمية، أو نحو أسبوعين من الكميات التي كانت تنقل عادة عبر مضيق هرمز.
ويمثل أعضاء وكالة الطاقة الدولية والدول الشريكة معها نحو ثلثي إنتاج الطاقة العالمي و80 في المئة من الاستهلاك.
وتُلزم الدول الأعضاء بالاحتفاظ بمخزون احتياطي يكفي 90 يوماً من استهلاكها النفطي تحسباً لأي اضطرابات عالمية.
ويحتفظ الأعضاء مجتمعين بأكثر من 1.2 مليار برميل في مخزونات طارئة، إلى جانب نحو 600 مليون برميل من مخزونات الشركات الخاضعة لالتزامات حكومية.
ولا يعدّ الإفراج عن ثلث هذه المخزونات خطوة يمكن تكرارها بشكل متكرر.



