خبرني - قد ينظر إلى المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران على أنها واحدة من أولى الصراعات الكبرى التي تجري في ظل نظام عالمي ناشئ، بدأت فيه القواعد التي حكمت السلوك الدولي لعقود، بفقد جزء من تأثيرها.
فخلال معظم الفترة التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، كانت الحرب والدبلوماسية تداران رسمياً ضمن إطار صاغه القانون الدولي، ومؤسسات مثل الأمم المتحدة وغيرها من الاتفاقيات. وحتى عند خرق تلك القواعد أو تفسيرها بشكل انتقائي، كانت الحكومات تحاول عموماً تبرير أفعالها من داخل ذلك النظام؛ حيث كانت العمليات العسكرية تُحاط عادةً بذرائع قانونية، أو مشاورات دبلوماسية أو تشكيل تحالفات دولية.
أما في الحرب الحالية، يبدو أن هذه الاعتبارات تلعب دوراً محدوداً، إذ يبدو أن القرارات الاستراتيجية باتت تُحركها بشكل متزايد الحسابات العسكرية والسياسية أو الأمنية الفورية، بدلاً من الحاجة إلى انسجام هذه التحركات مع الأطر القانونية الدولية أو الحصول على موافقة متعددة الأطراف.
بالنسبة لإيران، العمل في ظل ظروف كهذه ليس أمراً جديداً تماماً؛ فقد عاشت البلاد لعقود تحت وطأة عقوبات دولية واسعة وفي عزلة سياسية. ومع مرور الوقت، طوّرت شبكات وآليات اقتصادية مصممة للالتفاف على تلك القرارات (سواء كانت متعددة الأطراف أو أحادية). ورغم خضوعها لواحد من أكثر أنظمة العقوبات شمولاً في العالم، استمرت إيران في تصدير النفط والحفاظ على نفوذها الإقليمي.
وضمن هذه الثقافة الاستراتيجية، غالبا ما كان التصعيد "محسوباً بدقة"؛ فكانت الردود الإيرانية في الأزمات الماضية تسعى عادة إلى رفع كلفة المواجهة على خصومها، دون التسبب في اندلاع حرب إقليمية شاملة. وكان الهدف الأسمى غالباً هو زيادة الضغط الاقتصادي أو السياسي على الخصوم حتى تتدخل أطراف خارجية للدفع نحو خفض التصعيد.
إسرائيل أيضاً معتادة على العمل في بيئة لا تترجم فيها الاتفاقيات الدولية بالضرورة إلى قيود عملياتية فورية. فالعقيدة العسكرية الإسرائيلية تؤكد منذ أمد بعيد على العمل السريع والحاسم عندما يعتقد القادة أن هناك تهديداً خطيراً يلوح في الأفق. وكانت الضربات الاستباقية واستخدام القوة المفرطة عناصر متكررة في هذا النهج.
وفي السنوات الأخيرة، واجهت التحركات الإسرائيلية في صراعات مثل الحرب في غزة تدقيقاً متزايداً في المحافل القانونية الدولية، بما في ذلك محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وفي الوقت ذاته، استمرت إسرائيل في تقدير أن أولوياتها الأمنية تبرر لها القيام بعمل عسكري حاسم، خاصة في ظل استمرارها في الحصول على دعم استراتيجي قوي من الولايات المتحدة.



