*
الخميس: 12 آذار 2026
  • 11 آذار 2026
  • 19:30
الإمارات في اختبارها الجديد

خبرني - حين قال رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد عبارته التي طارت بها الآفاق  إن “جلد الإمارات غليظ ولحمها مُر”لم تكن عبارة عابرة تُقال في لحظة خطابية
بل خطابا جديدا وتوصيفا  مكثفاً لجوهر دولة تشكلت على مدار عقود من العمل الصامت والإرادة الصلبة؛. لم تمت فقط  رسالة طمأنة لشعب ومجتمع الإمارات با كانت في الوقت ذاته رسالة تحذير قوي وراسخ وفي كل اتجاه، 
الإمارات، منذ سنوات طويلة، لم تكن بمنأى عن حملات التشكيك والهجوم؛ على مدى أكثر من عقد ونصف تعرّضت لحملة واسعة ومتواصلة، لم يكن هدفها في الغالب نصيحة أو نقداً بنّاءً، بل محاولة للنيل من تجربتها وعرقلة صعودها، قاد تلك الحملات خليط متنوع من دول وتنظيمات وشخصيات، لكل منها حساباته ومصالحه التي اصطدمت يوماً بمصالح الإمارات.

ومع ذلك، لم تكن الإمارات دولة انفعال أو ردود فعل متسرعة واعتادت على هذا النوع من الهجمات، وتعاملت معه بميزان دقيق: تدافع حين تقتضي الضرورة، وتصمت حين يكون الصمت أبلغ وتجنب دائما الضجيج الى العمل الدؤوب، كانت ولا تزال دولة  تدرك أن النجاح في عالم مضطرب يخلق خصوماً بقدر ما يصنع شركاء.

لكن المشهد تبدل فجأة عندما اندلعت الحرب في المنطقة دون إنذار، لم تعد المسألة حملات إعلامية أو معارك سرديات، بل اختباراً قاسياً على أرض الواقع: اختبار لقدرة الدولة على الصمود، لكفاءة مؤسساتها، لجهوزية منظوماتها الدفاعية، ولمستوى وعي مجتمعها من مواطنين ومقيمين.

كان اختباراً غير مسبوق. غير أن الإمارات، كما أثبتت الوقائع، لم تكن دولة طارئة على التاريخ أو تجربة عابرة في المنطقة؛ لتظهر بوضوح إنها دولة مؤسسات، بنيت على التخطيط الطويل والاستثمار في الإنسان والقدرة والجاهزية.

ومع تصاعد الهجمات، التي بلغ عددها – وفق تقديرات متداولة – أكثر من 1440 طائرة مسيّرة و253 صاروخاً باليستياً إضافة إلى صواريخ جوالة، كان الهدف واضحاً: اختبار قدرة الإمارات على الاستمرار تحت الضغط.

لكن ما حدث كان العكس تماماً 
فبينما كانت التهديدات قائمة، استمرت المطارات في العمل، واستمرت الحياة اليومية في مدن الإمارات بإيقاعها الطبيعي
ولم يكن ذلك مجرد إجراء إداري أو قرار تقني؛ بل رسالة سياسية عميقة مفادها أن الدولة التي بنت قوتها على الثقة في مؤسساتها وفي شعبها لا تتوقف عند أول اختبار.

لقد تحولت إدارة الإمارات للأزمة إلى نموذج يُدرس في كيفية التعامل مع التهديدات المركبة: أمنياً، واقتصادياً، وإعلامياً. 
تجاوزت الدولة مرحلة الصمود لتصل إلى مستوى التأثير العالمي في إدارة الأزمات، حتى أصبحت تجربتها مثالاً يُستشهد به في دوائر السياسة والاقتصاد.

ولم يكن هذا ممكناً لولا نمط قيادة مختلف.
قيادة تعرف أن بناء الدولة لا يقوم على المصادفات ولا على انتظار الحظ. فالصدفة تأتي لمن لم يتوقعها، والحظ يأتي لمن ينتظره، أما محمد بن زايد فاختار طريقاً ثالثاً: أن يتوقع التحديات قبل وقوعها وأن يستعد لها.

لهذا لم يترك مجالاً للصدفة، ولم يراهن على الحظ، بل استثمر في بناء المؤسسات، وتعزيز قدرات الجيش، وتحصين الاقتصاد، وترسيخ ثقة المجتمع - كل المجتمع -  في دولته.

وفي خضم تلك المواجهة، برز جانب آخر من المعادلة الخليجية، فالدفاعات الجوية في دول الخليج أثبتت قدرة كبيرة على حماية أجوائها ومنشآتها، مع اعتماد متزايد على منظوماتها العسكرية الوطنية وعلى كفاءة كوادرها. 
وقد وصف الإعلامي المصري إبراهيم عيسى تلك اللحظة بأنها دفاع عن “الكبرياء العربي”، في إشارة إلى قدرة هذه الدول على حماية أمنها بإمكاناتها الذاتية.

غير أن نصيب الإمارات من الهجمات كان الأكبر، ومع ذلك لم يتغير نهجها) بقيت الدولة ماضية في مشروعها التنموي، وفي سياساتها الداعية إلى السلام والاستقرار، وفي دورها الإنساني والاقتصادي الدولي.

لكن ما كشفت عنه هذه الأزمة يتجاوز مجرد القدرة على الصمود. فقد بات واضحاً أن الإمارات ستخرج منها أقوى مما كانت
إذ  كشفت الأحداث عن مستوى عالٍ من الاحترافية في الجيش الإماراتي ومنظوماته الدفاعية، وعن جاهزية مؤسسات الدولة للتعامل مع أخطر السيناريوهات دون ارتباك أو فوضى.

وكما نجحت الإمارات في إدارة هذه الأزمة المركبة بثبات وكفاءة، فإن ذلك يعكس سلوكاً ثابتاً في تاريخها الحديث؛ فهذه الدولة اعتادت أن تتحول الأزمات في تجربتها إلى محطات تعزز قوتها وتدفعها إلى مستوى أعلى من النضج والجاهزية.

ولهذا، فإن النظرة إلى الإمارات بعد هذه المرحلة لن تكون كما كانت قبلها. فالعالم الذي كان ينظر إليها بإعجاب بسبب سرعتها في التنمية، ونجاح نموذجها الاقتصادي، وكفاءة قيادتها، سيضيف اليوم إلى تلك النظرة بعداً آخر: بعد الهيبة والقوة.

لقد أصبحت الإمارات تُرى ليس فقط كنموذج للتطور والازدهار، بل أيضاً كدولة قادرة على حماية مكتسباتها والدفاع عن استقرارها بثقة واقتدار.

هنا تتجلى مفارقة محمد بن زايد السياسية 
قائد قليل الكلام، لكنه كثير الفِعال. صمته ليس فراغاً، بل أسلوب إدارة
لا يخاصم أحداً بدافع شخصي، ولا يندفع إلى ردود انفعالية، لأن في قلبه مشروع دولة أكبر من أي خصومة عابرة.

لا يلتفت إلى صغائر الأمور، ولا يتعجل في كبائرها. يمضي بخطى محسوبة، يوازن بين القوة والمرونة، بين الحزم في وقت الخصومة والانفتاح في زمن المصالحة.

هذا النهج ليس غريباً على دولة تأسست على رؤية الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. لذلك كثيراً ما يقال إن “الولد سر أبيه”، في إشارة إلى أن محمد بن زايد يحمل امتداداً طبيعياً لمدرسة زايد في الحكم، بادارة دولة تبني الجسور قبل المتاريس، وتبحث عن الاستقرار قبل الصراع.

حتى إن الرئيس الأمريكي الأسبق باراك أوباما وصفه في مذكراته بأنه “الزعيم الأكثر دهاءً في الخليج”، في إشارة إلى قدرته على قراءة التحولات الدولية وإدارتها بمنظور استراتيجي طويل المدى.

كما قال الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم عنه:
“محمد بن زايد هو ظل زايد وامتداده فينا، ومؤسس مئوية دولتنا، وحامي حمى اتحادنا… تنقاد له البلاد كلها ليأخذها في دروب العز والمجد”.

وهكذا، حين يُقال إن جلد الإمارات غليظ ولحمها مُر، فالمعنى أبعد من مجرد عبارة بلاغية.

إنها خلاصة تجربة دولة تعلمت أن القوة ليست في الضجيج، بل في الصلابة.
وأن الدول التي تبني نفسها جيداً لا تخاف الاختبارات… لأنها كانت تستعد لها منذ البداية.

مواضيع قد تعجبك