لم يعد الخبر في عصرنا مجرد معلومة تنتقل من مصدر إلى متلقٍ، بل أصبح قوة قادرة على توجيه العقول وصناعة المزاج العام وتشكيل المواقف. ففي زمن تتدفق فيه الأخبار عبر الشاشات والهواتف بلا توقف، يمكن لصورة واحدة أو مقطع فيديو قصير أن يثير مشاعر واسعة، أو يخلق تعاطفًا كبيرًا، أو يغيّر نظرة الناس إلى قضية ما.
ومع صعود وسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد الرأي العام يتشكل فقط عبر المؤسسات الإعلامية التقليدية، بل أصبح يتكوّن أيضًا في فضاءات رقمية مفتوحة، حيث تختلط الحقيقة بالشائعات، والمعلومة الدقيقة بالمحتوى المفبرك. ومع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبح من الممكن إنتاج صور وفيديوهات شديدة الواقعية يصعب على كثير من الناس التمييز بينها وبين الواقع الحقيقي.
وهنا تظهر الحاجة الملحّة إلى قدرٍ أكبر من الوعي الإعلامي، لأن ما يبدو حقيقيًا على الشاشة قد يكون في بعض الأحيان صناعة رقمية متقنة.
لقد أحدث الذكاء الاصطناعي ثورة هائلة في عالم التكنولوجيا والإعلام الرقمي. فهذه التقنيات فتحت آفاقًا واسعة في مجالات التعليم والإبداع والإنتاج الإعلامي، وأسهمت في تسهيل كثير من الأعمال وتطويرها. غير أن هذه القدرات نفسها قد تُستخدم أحيانًا بطرق غير مسؤولة، خصوصًا في مجال فبركة الصور ومقاطع الفيديو.
فاليوم يمكن لبعض البرامج المتقدمة أن تنشئ صورة تبدو حقيقية تمامًا، أو مقطع فيديو يوحي بحدث لم يقع أصلًا. وقد يتم تداول هذه المواد على وسائل التواصل الاجتماعي بسرعة كبيرة، ليعتقد كثير من المتلقين أنها مشاهد حقيقية، في حين أنها في الواقع محتوى مصطنع تم إنشاؤه رقميًا.
المشكلة لا تكمن فقط في إنتاج هذا النوع من المحتوى، بل في سرعة انتشاره. فوسائل التواصل الاجتماعي جعلت العالم فضاءً مفتوحًا لتداول الأخبار والمعلومات، حيث يمكن لصورة أو فيديو أن يصل إلى آلاف وربما ملايين الأشخاص خلال وقت قصير جدًا.
وغالبًا ما يتلقى المستخدم العادي هذه المواد على أنها حقيقة موثقة، فيعيد نشرها بدافع الفضول أو التعاطف أو الرغبة في مشاركة الخبر مع الآخرين. وهكذا قد يتحول كثير من الناس – دون قصد – إلى حلقة في سلسلة انتشار معلومات غير دقيقة أو محتوى مفبرك.
وتزداد خطورة الأمر عندما تكون هذه المواد مصممة بطريقة احترافية تجعلها تبدو واقعية للغاية، مما يصعّب على المتلقي العادي اكتشاف زيفها. ولهذا فإن بعض الصور أو الفيديوهات قد تترك أثرًا قويًا في الرأي العام قبل أن يتضح لاحقًا أنها غير حقيقية.
ومن هنا تبرز أهمية الوعي الإعلامي في التعامل مع المحتوى الرقمي. فالمستخدم اليوم لم يعد مجرد متلقٍ للمعلومة، بل أصبح أيضًا ناشرًا لها. وكل عملية مشاركة لمحتوى غير موثوق قد تسهم في انتشار معلومات مضللة على نطاق واسع.
لذلك أصبح من الضروري التريث قبل نشر أي محتوى، والبحث عن مصدره الأصلي، والتأكد من صحته عبر أكثر من جهة موثوقة. كما أن التفكير النقدي عند التعامل مع الصور والفيديوهات المنتشرة على الإنترنت بات مهارة أساسية في زمن الإعلام الرقمي.
وأخيرا فإن التطور التكنولوجي الهائل الذي نشهده اليوم يحمل في طياته فرصًا كبيرة للتقدم والمعرفة، لكنه في الوقت ذاته يضع أمامنا مسؤولية أكبر في كيفية التعامل مع المعلومات. فالصورة التي نراها، أو الفيديو الذي نشاهده، قد لا يعكس دائمًا الواقع كما يبدو.
ولهذا فإن الوعي الإعلامي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة في عالم تتسارع فيه المعلومات وتتنوع فيه مصادرها. فالتوقف لحظة للتأكد من صحة المحتوى قبل نشره قد يكون خطوة بسيطة، لكنها تسهم في حماية الحقيقة من التشويه، وتحافظ على مصداقية الكلمة في فضاء رقمي واسع وسريع الانتشار.
فبين صورة تنتشر في ثوانٍ وحقيقة تحتاج إلى تدقيق، يبقى الوعي هو البوصلة التي تساعدنا على التمييز بين الواقع وما يُصنع ليبدو كأنه واقع.



