*
الثلاثاء: 10 آذار 2026
  • 09 آذار 2026
  • 14:32
حلاوة البدايات ما لم تقله العتبة
الكاتب: عماد داود

العتبة لا تنتمي لأحد!

لا للغرفة التي تركتها، ولا للغرفة التي لم تدخلها بعد!

 هي الشريط الرفيع الذي اخترع منه الإنسان كل بداياته، وبنى عليه كل أمله، وأمضى فيه أصدق لحظاته دون أن يعرف أنه يقف في الفراغ!

البداية ليست لحظة... البداية عتبة!

 وكل عتبة تكذب بطبيعتها لا بنيتها!

 تعِد بما لا تملك تسليمه!

 لأنها هي نفسها لا تعرف ما خلف الباب!

 وهذا الجهل المشترك بين الواقف والعتبة.. هو أجمل كذبة اخترعها الوعي! ويُعيد اختراعها كل صباح بلا كلل ولا خجل!

والأشد غرابةً أننا نعرف أنها كذبة!..ومع ذلك نصفّق واقفين!

لو تذكّر الإنسان كل العتبات التي وقف عليها وما خذله منها... لما وقف على أخرى!

 الذاكرة التامة ليست نعمة... هي شلل مُكلل بالحكمة!

 ولهذا وهبتنا الطبيعة نسيانًا انتقائيًا رحيمًا نُسمّيه أملًا، نمحو به ندوب العتبات السابقة كي نقف على التالية بنفس الرعشة الأولى، وبنفس الوعد الذي لم يُوقَّع عليه أحد!

وهنا تكمن المفارقة التي لم تُحَل:

 نحن لا نُقدّس البدايات لأنها تعِد بالجمال...بل نُقدّسها لأنها لا تدوم!

 حلاوة العتبة في قِصَرها!

 في تلك اللحظة الفريدة حين يكون كل شيء ممكنا ولم يُستبعد شيءٌ بعد!

 قبل أول خطأ، قبل أول خذلان، قبل أن تكتشف أن الخريطة لم تكن تطابق الأرض!

 هذه اللحظة لا تدوم! لأنها لو دامت لم تعد عتبة، بل تحوّلت إلى إقامة!

كل بداية منتصف قصة أطول لا يُعرف طرفها الأول!

 الطفل يقف على عتبة حياته في منتصف تاريخ عائلته!

 الحضارة تبدأ على عتبة أقامتها حضارةٌ أقدم أكلتها الرمال!

 حتى الكون، إن صدّقنا نظرياتنا، وقف على عتبة شيء لا نملك له اسمًا!

 البداية المطلقة وهم أنيق يرتاح إليه العقل حين يتعب من السؤال!

 والعتبة الأولى وهم أجمل منه، لأنها تُشعرك أنك أنت من اختار الوقوف!

السخرية الحقيقية ليست في أننا نُخدع بالعتبات!

 السخرية في أننا نعرف أننا نُخدع ونقف عليها باختيار كامل وعيون مفتوحة!

الحكيم والساذج يرتجفان بنفس الرعشة أمام نفس الباب!

 الحكيم يعرف أن خلفه بابًا آخر ويدخل... والساذج يظن أنه الباب الأخير ويدخل!

 كلاهما يدخل، وكلاهما يأمل، وكلاهما سيقف يومًا على عتبة أخرى ينسى أنه وعد نفسه بألا يقف عليها!

لكن هناك ما لا تقوله العتبة: هي لا تُطلق الأمل فحسب، بل تُطلق الإنسان من ثقل ما سبق. ولو للحظة! ولو بزيف جميل مُختار... وتلك اللحظة، بكل ما فيها من كذب نعرفه، هي أصدق لحظاتنا، لأننا ندفع ثمنها مقدّمًا وبكامل إرادتنا -مع سبق الإصرار والترصد- ونحن نعرف أنها ستنتهي!

البداية الحقيقية ليست حين تقف على العتبة وأنت لا تعرف ما خلفها!

 البداية الحقيقية حين تعرف كل ما خلفها، وكل ما خذلك قبلها، وتقف رغم ذلك!

وتلك الوقفة، لا البراءة الأولى، هي ما يستحق التقديس!

 

مواضيع قد تعجبك