الصمود ليس نصرًا، لكنه بات يكفي، وحين يكفي الصمود تنتهي الحرب من الداخل قبل أن تنتهي على الأرض، لأن الطرف الذي يملك كل شيء ولا يستطيع الحسم يبدأ يشك في كل شيء، والشك في القوة أخطر من غيابها!
الجيوش الكبرى دخلت هذا الشرق تحمل يقينًا واحدًا: أن لكل شيء سقفًا، سقفًا للألم وسقفًا للصمود وسقفًا للخسارة، فصممت أسلحتها لتحطيم السقوف، لكنها اصطدمت بناس قرروا منذ البداية ألا سقف، وحين تضرب من لا يؤمن بالسقف بأسلحة مصممة لكسره تجد نفسك تضرب الهواء وتسمّي ذلك حسمًا!
غزة ليست حربًا، غزة امتحان فلسفي يُؤدَّى بالجثث، وكل جثة سؤال لا إجابة، فحين تقصف فكرة تتوالد، وحين تغتال رمزًا يتحول إلى ديانة، والديانة لا تسكن في مبنى حتى تهدمه، بل تسكن في إجابة أمٍّ حين يسألها ابنها لماذا نبقى، وتلك الإجابة لا تقع على أي خريطة ولا تُصاب بأي صاروخ.
طهران لا تُقاتل لتنتصر، تُقاتل لتُثبت أنها لا تسقط، والفرق بين الغايتين أن النصر يحتاج قوة والقوة محدودة، أما إثبات أنك لا تسقط فيحتاج فقط أن تُكمل النَّفَس التالي، وإكمال النَّفَس لا يحتاج جيشًا بل يحتاج عقيدة، والعقيدة حين تُسقيها الدم تكبر لا تذبل، فالمرشد يُغتال ويتحول إلى كربلاء، وكربلاء ليست ذكرى بل وقود لا يخمد كلما أضفت إليه ضربة، وهذا ما لم يفهمه من ضرب لأنه درس الحرب ولم يدرس الروح، وأنا هنا لا أدافع عن نظام طهران الثيوقراطي الذي سجّلت تحفظي عليه في أكثر من موضع، ولا أرى في استبداده الديني فضيلة تُذكر، لكنني أصف ظاهرة تتجاوز النظام إلى الشعب، وتتجاوز السياسة إلى شيء أعمق وأقدم من كل الأنظمة: إرادة من قرر ألا يسقط.
وهذه الإرادة لا تستأذن أحدًا ولا تنتظر تقييمًا!
الفلسطيني دفع ثمنًا لا اسم له، وفي اللحظة ذاتها التي كان يدفعه استيقظ العالم، لا من نوم بل من تخدير طويل أتقن فيه فن عدم الرؤية، وعاد الاسم الفلسطيني إلى الضمير الإنساني من باب لم يفتحه مفاوض ولا خطيب، بل فتحته صورة طفل لا تحتاج ترجمة، وهذا لا يُسوّغ الحرب ولا يُجمّلها، لكنه يقول شيئًا قاسيًا عن طبيعة هذا العالم: الحق لا يُسمع إلا حين يصرخ بما لا يحتمل التأويل!
السؤال الذي تهرب منه كل غرفة مغلقة في واشنطن وتل أبيب ليس كيف ننتصر، بل ماذا يعني الانتصار على خصم يعتقد أن دمه سماد لا نفايات، وأن كل جيل يسقط يُخصّب الجيل التالي، هذا السؤال لا تُجيب عنه الطائرات ولا تُجيب عنه الاستخبارات، يُجيب عنه فقط من يجرؤ على الجلوس أمام الحقيقة دون أن يُسمّيها هزيمة!
دمُهم لا يجف، ودمُك لا يكفي، وبين الجملتين تقف كل حرب في هذا الشرق عاجزة عن النهاية، لأن من يملك السلاح يريد الحسم، ومن يملك العقيدة يريد الأبد، والأبد دائمًا يكسب!



