خبرني - في الرابع من مارس عام 1918، اختفت سفينة البحرية الأمريكية "سايكلوبس" في مياه مثلث برمودا، حاملة معها 306 أشخاص هم أفراد الطاقم والركاب، دون أن يتركوا أي أثر.
كانت السفينة، التي تحمل اسم عملاق بعين واحدة من الأساطير اليونانية، قد أبحرت من البرازيل في مارس من ذلك العام بعد أن حمّلت شحنة كاملة من خام المنغنيز الكثيف، وهو معدن يُستخدم في صناعة الذخائر، وكانت متجهة نحو بالتيمور. لكن الرحلة لم تكتمل، إذ ابتلعها المحيط دون سابق إنذار.
آخر ما ورد من السفينة كان رسالة روتينية تقول: "الطقس معتدل، كل شيء على ما يرام". كان من المقرر أن تصل إلى بالتيمور في الثالث عشر من مارس، لكنها لم تصل أبدا. عندما تأخر وصولها حتى منتصف أبريل، أعلنت البحرية الأمريكية عن فقدانها وبدأت عملية بحث ضخمة. لم يُعثر على أي حطام، ولا بقع نفط، ولا جثث. بدا الأمر كما لو أن السفينة تبخرت. كانت هذه الكارثة أكبر خسارة بشرية تتعرض لها البحرية الأمريكية في عملية غير قتالية.
اختفاء السفينة الغامض وقع قبيل نهاية الحرب العالمية الأولى، ما دفع البعض إلى الاعتقاد بأن غواصة ألمانية قد أغرقتها. لكن ألمانيا نفت ذلك. افترض آخرون أن عاصفة مفاجئة قد تسببت في غرق السفينة، لكن لم يُعثر على أي دليل يدعم هذه الفرضية. بقيت القصة غامضة، ولا يزال مصير السفينة مجهولا حتى اليوم.
شوهدت "سايكلوبس" آخر مرة قبالة سواحل بربادوس، حيث توقفت بشكل غير مُخطط له بسبب الحمولة الزائدة. لم يُرسل الطاقم أي إشارة استغاثة. وبعد عمليات بحث واسعة، لم يُعثر على أي أثر للسفينة أو من كانوا على متنها.
ظهرت عدة نظريات حول سبب الاختفاء. من أبرزها أن الحمولة الزائدة من خام المنغنيز كانت سببا في انقلاب السفينة، خاصة إذا تحركت أثناء عاصفة. هناك نظرية أخرى تشير إلى أن القبطان، وورلي، وهو من أصل ألماني، ربما كان مواليًا للنازيين، ما أثار الشكوك حول احتمال تعمده إغراق السفينة في عملية تخريبية.
من النظريات المثيرة أيضا احتمال وجود شذوذ مغناطيسي في المنطقة. في عام 2015، رصدت سفينة الأبحاث الروسية "أكاديميك مستيسلاف كيلديش" انحرافات في البوصلة بلغت 17 درجة في منطقة مثلث برمودا. كما تشير بيانات الأقمار الصناعية التابعة لناسا إلى انبعاثات نشطة لغاز الميثان في قاع البحر، ما قد يفسر حدوث ثوران بركاني تحت الماء أدى إلى ابتلاع السفينة.
توجد نظرية أخرى تتحدث عن تجارب سرية. في وثائق رفعت عنها السرية عام 1972، عثر على ملاحظة غريبة تقول: "تحقق من العلاقة بين مشروع فينيكس وحادثة 1918".
ما زاد من غموض القصة أن الطاقم اشتكى قبل أسبوعين من اختفاء أفراده من "طنين غريب في هيكل السفينة"، كما سُجلت حرارة مرتفعة في عنابر الشحن بلغت 50 درجة مئوية، بينما كانت درجة الحرارة الطبيعية 25 درجة مئوية. يعتقد بعض الخبراء أن ذلك قد يكون ناجما عن تفاعل كيميائي بين المنغنيز ومياه البحر. كما أن القبطان وورلي أشار في رسالة إلى صديق له إلى "أضواء غير عادية" قبالة سواحل بربادوس، ما يضيف بعدا آخر إلى هذا اللغز.
بعد مرور ما يزيد عن مئة عام، لا يزال اختفاء "سايكلوبس"، أحد أكثر الألغاز إثارة للحيرة في تاريخ البحرية الأمريكية. يشير الخبراء إلى ثلاثة أسباب رئيسة تفسر عدم العثور على السفينة حتى الآن. أولها أن السفينة ربما غرقت في أعماق تصل إلى 7500 متر، وهو عمق هائل مقارنة بسفينة تيتانيك التي ترقد على عمق 3800 متر فقط. ثانيها أن تيارات المحيط، مثل تيار شمال خط الاستواء، ربما تكون قد نقلت السفينة لأكثر من 300 كيلومتر من موقع اختفائها. أما السبب الثالث فهو سياسي، إذ تسيطر الولايات المتحدة على المنطقة، وبذلك فإن وصول أي بعثات بحث أجنبية إليها محدود ومقيد.
يقول عالم الآثار البحرية الروسي إيفان بيتروف: "لو اختفت سفينة سايكلوبس عام 2025، لتم العثور عليها في غضون أسبوع، لكن تكنولوجيا 1918 لم تترك لنا سوى الأساطير".
على أي حال، يبقى مصير هذه السفينة الغامض واحدا من بين العديد من حوادث الاختفاء في هذه المنطقة من المحيط الأطلسي. في إحصائيات عام 2024، تشير البيانات إلى اختفاء ما بين ثلاث إلى خمس سفن سنويا في مثلث برمودا، و67 بالمئة منها تحدث دون أن تتمكن السفينة من إرسال أي إشارة استغاثة.



