*
الاربعاء: 04 آذار 2026
  • 03 آذار 2026
  • 23:02
يا هَـ مَلالي
الكاتب: عماد داود

خبرني - الوكيل لا يملك ما يوكَّل فيه! 
هذه القاعدة يعرفها كل فقيه شرعي وكل محام في أول جلسة او يوم دراسة!
وهي القاعدة التي بنى نظام الملالي أربعة عقود يخرقها — حتى أتى اليوم الذي أعاد فيه التاريخ تطبيقها بثلاثين قنبلة في وضح النهار!
مات الرجل وكان المجلس جاهزاً!
لا تتجاوز هذه الجملة! لأن الدولة التي تعرف متى يموت مرشدها كانت بالضرورة تنتظر موته!
والفارق بين أن تعرف وأن تنتظر ..هو الفارق بين الحداد والإرث!
 والإرث لا يُعدّ له إلا حين يكون صاحبه فانياً في علم المُعِدّ — حتى وهو يصرخ في الشوارع أن صاحبه لا يفنى!
 فتح أحدهم الدرج وأخرج المجلس المُعدّ مسبقاً، ففضح في حركة واحدة ما عجزت أربعون عاماً من الخطاب عن إخفائه: أن النظام كان يعرف أنه فانٍ في الوقت ذاته الذي كان يُعلن فيه أنه مقدس!
وهذا — لا الضربة اياها — هو الانهيار الحقيقي!
"يا همَّه لالي" — يا قطيع الجِمال، نوحي، أصدري صوتك على ما جرى! يقولها ابن البادية حين يعجز الكلام عن استيعاب المشهد ويكفيه الصوت!
وفي اليوم الذي التقت فيه الكلمة بالحدث التقاءً يشبه المعجزة الساخرة، صارت "يا هَـ'مَلالي'" ليست لعناً ولا رثاءً بل شيئاً أدق وأشد: إعلان انتهاء صلاحية فكرة! الفكرة التي بنى عليها الملالي دولتهم، وصادروا باسمها حرية شعبهم، وأشعلوا باسمها حروب غيرهم، وباعوا باسمها الوصول إلى الله بالسعر الذي يُناسبهم!
المُلّا في أصل وظيفته ساعي بريد روحي! يحمل الرسالة ويوصلها. لا يملك مضمونها ولا يملك حق حجبها! لكن الذي حدث في إيران منذ 1979 هو أن ساعي البريد فتح الرسائل وقرر أيها يُوصَل وأيها يُحجب، ومن يستحق الوصول ومن يُحرم منه.! وفي اللحظة تلك لم يعد ساعياً — صار وسيطاً يبيع الوصول! والوسيط الذي يبيع الوصول إلى المقدس لا يحتاج أن يكون صادقاً — يحتاج فقط أن يكون ضرورياً! وقد أمضى الملالي أربعة عقود يصنعون ضرورتهم: بالخوف حيناً، وبالبكاء على الحسين حيناً، وبالعدو الذي يُطلق عليه الصاروخ دائماً بعيداً عن الهدف الحقيقي حيناً ثالثاً!
الصاروخ الذي يُطلق دائماً بعيداً عن هدفه الحقيقي ليس فشلاً عسكرياً — هو السياسة ذاتها!
 سليماني اغتيل وقالوا: الثأر آتٍ. فخري زاده صُفّي أمام زوجته على طريق إيراني وقالوا: الدم لن يضيع. هنية اغتيل في قلب طهران في المبنى الذي كان يفترض أنه يحمي ضيوفه وقالوا: العدو تجاوز كل الخطوط. ثم مات المرشد نفسه وكان المجلس جاهزاً وخرج لاريجاني يقول: متماسكون! 
سجل الخطوط الحمراء هذا ليس سجل هزائم بل سجل أداء محكوم بقاعدة لا تتبدل: الإصابة الحقيقية تُسدل الستار على المسرحية! والمسرحية — لا الانتصار — هي المنتج الذي يُعيد توليد السلطة في كل دورة!
البوارج الأمريكية كانت في مرمى الصواريخ الإيرانية سنوات ولم تُمسَّ يوماً واحداً — ليس عجزاً تقنياً بل لأن العدو المُصنَّع يساوي في السوق الاستراتيجية أضعاف الحليف الحقيقي! ولأن الحرب الحقيقية تنهي الحاجة إلى الوسيط، والوسيط لا يُنهي حاجته إلى نفسه!
لكن ثمة جريمة أشد مما فُعل بالمنطقة وأبطأ في الظهور وأصعب في الإصلاح!
الحسين بن علي قُتل لأنه رفض البيعة لسلطة ظالمة! قضيته في جوهرها رفض مطلق لأن يُحوَّل الدين إلى أداة في يد الحاكم! وهذا الرجل بالذات — بهذا الموقف بالذات — صار الرمز الذي يُبكى عليه سنوياً في موكب يُنتج الطاعة لسلطة لا تُسأل ولا تحاسَب!
 أن تأخذ أعظم رمز للرفض في التاريخ الإسلامي وتُحوّله إلى أداة لإنتاج القبول — هذه ليست سياسة! هذه جراحة في وعي أمة! والجرح الذي يُحدثه المبضع في الوعي لا يُعالَج بثورة سياسية ولا يُغلق بتغيير نظام! بل يظل مفتوحاً يُفسد كل بناء يُقام فوقه حتى يُعالَج من الجذر!
الإسلام حين يُصادَر ويُحوَّل إلى احتكار يفقد ما لا يعوّضه انتصار: يفقد كونه ملجأً لا سلاحاً، صديقاً لا سجّاناً، سؤالاً لا جواباً جاهزاً يُصادر به كل سؤال!
وحين يُمنح إنسان صلاحية النبي باسم الدين يصير كل نقد له نقداً لله، وكل خروج عليه ردة، وكل تساؤل تآمراً على السماء.!
والنتيجة انقلاب كامل في وظيفة الدين تاريخياً: من أن يكون صوت الضعيف في وجه القوي إلى أن يكون درع القوي في وجه الضعيف. من أن يحرر إلى أن يسجن. ومن يسجن باسم المقدس يُحكم الأقفال بما لا يستطيعه أي سجّان دنيوي، لأن المسجون يحمل مفتاح قفصه في قناعاته هو لا في يد سجّانه!
هذه هي الجريمة التي لم ينتبه إليها من احتفل بالسقوط ولم يُقرّ بها من ناح عليه: أن نظام الملالي لم يُفسد إيران فحسب، بل أعار التاريخ نسخة من الإسلام تحتاج عقوداً من العمل الصادق كي لا تصير هي المرجع الذي يُقاس عليه!
اليمنيون يموتون في البحر الأحمر دفاعاً عن معادلات لا علاقة لها بجوعهم. واللبنانيون حملوا في أجساد أطفالهم حرباً لم يُدعوا إلى طاولة من صنعها. والفلسطيني في غزة يحترق بنيران كان يُفترض أن تحرق لمصلحته لكن أحداً لم يسأله أي نيران يريد! ومحور المقاومة لم يكن محوراً بأي معنى هندسي — المحور الحقيقي تتحمل أطرافه معاً ثقله، أما هذا فكان نظام ضخّ أحادي الاتجاه: الخسائر تسير نحو الأطراف واللقب يعود إلى المركز! وحين عاد الخطر إلى المركز مباشرةً اكتشف أن لا أطراف تبقّت تمتصه! الحشوة كانت دائماً أجساد من لم يُدعوا إلى الطاولة!
وداخل إيران كان الحساب أشد وطأة وأقل ضجيجاً! شعب أمضى أربعة عقود يتحمل عقوبات صُمّمت لإيلامه هو لا قادته! تذهب ثرواته إلى حروب لم يُستشر فيها، يقف في طوابير الخبز بينما يقف قادته أمام كاميرات التهديد! وحين خرج يقول: "لا غزة ولا لبنان، روحي فداء إيران" — لم تكن هذه خيانة! بل كانت الجملة الوحيدة الصادقة في مشهد كامل من الأداء: أنا لم أُسأل، ولن أموت بديلاً عمن لم يسألني!
وحين صوّر الغارات بهاتفه وأرسلها لجاره لم يكن يحتفل بالغزاة. كان يُبلّغ رسالة حُجبت أربعة عقود: الوكيل لم يكن يمثّلني! لم يكن يمثّلني يوماً واحداً. وها هو ذهب وأنا هنا!
يا هَـ"مَلالي" — يا من صادرتم ساعي البريد وادّعيتم أنكم الرسالة! وأخذتم دم الحسين ووضعتموه في خدمة ما قاتل الحسين من أجل رفضه! وبنيتم دولة تعرف متى تموت وتُعلن أنها لا تموت! وأطلقتم الصواريخ دائماً بعيداً عن أهدافها الحقيقية لأن الإصابة الحقيقية تنهي الحاجة إلى الوسيط: لم تسقطكم الصواريخ! سقطتم حين فتح أحدكم الدرج وأخرج المجلس!
في تلك اللحظة الصغيرة انكشف كل شيء: أنكم كنتم تعرفون ما كنتم تنفون، وتنفون ما كنتم تعرفون، وتبيعون ما لا تملكون، وتحجبون ما لا يحق لكم حجبه!
الوكيل حين يدّعي ملكية ما وُكّل فيه لا تنزع منه الملكية بحكم قضائي! بل تنزع منه بأن يعرف الموكِّل الحقيقي أن ثمة وسيطاً لم يُعيَّن!
والشعب الإيراني يعرف. وعرف طويلاً قبل أن يعرف أحد!
الفراغ الذي يأتي بعد الوكيل المزيّف لن يملأه وكيل جديد — إن أراد من تبقّى أن يعيش لا أن يُعاد!
والأمم التي تقرر أنها لا تحتاج وسيطاً بينها وبين مستقبلها لا تتحرر بثورة! بل تتحرر بقرار أهدأ وأشد ديمومة: بأن تفتح بريدها بنفسها!

مواضيع قد تعجبك