بينما كان العالم ينظر إلى شاشات الرادار خلال حرب الـ 12 يومًا في صيف 2025 كان فريق من العلماء والضباط السابقين في الوحدة 8200 يعكفون على بناء أوراكل رقمي لا يقرأ الكف بل يقرأ أنماط التفكير الجمعي لجنرالات الحرس الثوري. النتائج التي تسربت لم تكن مجرد أرقام بل كانت إعلاناً عن شهادة وفاة الثيوقراطية التقليدية في إيران.
فالمحاكاة التي أجرتها شركة AskIt كشفت أن 70% من قادة الظل في إيران قد سحبوا ثقتهم ضمنياً من العمامة لصالح البدلة العسكرية. ففي اللحظة التي سقطت فيها الصواريخ فوق أصفهان لم يعد الجنرال الإيراني يرى في ولاية الفقيه مظلة كافية للحماية، بل عبئاً أيديولوجياً قد يكلفه وجوده. هذه ليست نبوءة بل هي سوسيوفيزياء؛ علم يدرس البشر كما يدرس حركة الأنهار. فعندما تشتد الضغوط الخارجية يتدفق نهر السلطة نحو النقطة الأكثر صلابة وهي في الحالة الإيرانية: المؤسسة العسكرية.
المثير للصدمة في هذه التجربة هو تهميش مجتبى خامنئي الابن الطموح الذي طالما صُور كخليفة طبيعي. فالذكاء الاصطناعي رأى فيه رمزاً للاستمرارية لكن الجنرالات الحقيقيين والافتراضيين يريدون كفاءة الأزمة.
لكن هل يمكننا الوثوق بـ أوراكل رقمي؟ إن التقنية لا تحدد المستقبل حتماً، لكنها تفتح نافذة على العقل الباطن للأنظمة المغلقة. ففي عام 2026، لم يعد السؤال هو من سيخلف خامنئي؟ بل كيف سيتدبر الجنرالات أمرهم بدون الغطاء الديني؟ فالذكاء الاصطناعي يتوقع انحياز الخيارات نحو السلاح.
- تعد موثوقية أنظمة الذكاء الاصطناعي في التنبؤ الجيوسياسي وصناعة القرار السياسي من أكثر المواضيع تعقيداً وحيوية. فالانتقال من التحليل الاستراتيجي التقليدي المعتمد على الحدس البشري إلى التحليل الخوارزمي المعتمد على البيانات الضخمة ليس مجرد تحول تقني بل هو إعادة تعريف لمفهوم الحقيقة السياسية. وتكمن الموثوقية في قدرة هذه الأنظمة على معالجة تدفقات معلوماتية تتجاوز القدرة الإدراكية للبشر حيث يمكن للنماذج المتقدمة تحليل مليارات المعاملات والخطابات والتحركات الميدانية في أجزاء من الثانية لاستخراج أنماط غير مرئية.
- أولاً وفي مقدمة هذا التحول يبرز مفهوم القرار المعتمد على الاحتمالات لا اليقين. فالذكاء الاصطناعي وخاصة في نماذج AskIt أو Verstand AI، يقدم نهجاً احتمالي يحدد المسارات الأكثر ترجيحاً بناءً على المتغيرات الحالية. هذه الدقة الاحتمالية وصلت في بعض التطبيقات المالية والجيوسياسية إلى تحسين بنسبة 55.8% في التنبؤ بردود أفعال الأسواق تجاه الصدمات السياسية مقارنة بالنماذج الاقتصادية القياسية التقليدية (مثل GARCH). وهذا التفوق يعود لامتلاك الذكاء الاصطناعي قدرة على رصد العلاقات غير الخطية بين الأحداث؛ فمثلاً يمكن لنموذج ما أن يربط بين تغير طفيف في نبرة خطاب مسؤول إيراني وبين تحرك لوجستي في مرفأ بوشهر للتنبؤ بتصعيد عسكري وشيك.
ثانياً، تبرز النقاط الرئيسية للموثوقية في مواجهة ظاهرة تزييف التفضيلات. ففي الأنظمة السلطوية المغلقة مثل النظام الإيراني حيث يعيش القادة والأفراد تحت ضغط هائل لإظهار الولاء المطلق علناً بينما قد تختلف قناعاتهم الخاصة جذرياً. هنا تظهر دقة نمذجة الجمهور الاصطناعي؛ فالذكاء الاصطناعي لا يسأل القائد ماذا تعتقد؟ (وهو سؤال سيجيب عليه القائد بالبروباغندا الرسمية)، بل يقوم بمحاكاة سلوكه بناءً على بنيته السلوكية وتاريخه المهني والضغوط التي يتعرض لها.
- يمكن تقديم أمثلة عملية حديثة تدعم هذه الموثوقية. فخلال الفترة التي سبقت غزو أوكرانيا، نجحت أنظمة ذكاء اصطناعي تجارية في رصد تحركات غير عادية في البيانات اللوجستية والمالية الروسية، متنبئة بالهجوم قبل حدوثه بأسابيع متفوقة على تقييمات سياسية كانت تستبعد الخيار العسكري. وفي تجربة AskIt المتعلقة بإيران وُجد أن أنماط تفكير القادة الافتراضيين تطابقت مع السلوك الحقيقي للحرس الثوري خلال حرب الـ 12 يومًا في يونيو 2025 حيث سيطرت المؤسسة العسكرية على مفاصل القرار فور غياب المرشد عن المشهد. كما أثبتت دراسات أخرى أن تحليل المشاعر عبر الذكاء الاصطناعي يمكنه التنبؤ بدقة تفوق الأساليب الإحصائية التقليدية بمقدار 30 مرة.
رابعاً، وختاماً، تظل دقة الذكاء الاصطناعي مرتبطة بجودة الوقود المعلوماتي الذي يغذيها. ففي البيئات شديدة القمع، تنشأ مشكلة البيانات الاستبدادية، حيث يؤدي غياب المعلومات الشفافة وتشويه الحقائق من قبل الدولة إلى إضعاف قدرة النماذج على التعلم. ومع ذلك، فإن التطور في السوسيوفيزياء والقدرة على بناء عوالم اصطناعية متكاملة يسمح بتعويض نقص البيانات الحقيقية ببيانات تخليقية تحاكي المنطق السلوكي للبشر.
- مسارات الخلافة فعلى الورق، يحدد الدستور الإيراني أن مجلس الخبراء هو المسؤول عن اختيار المرشد القادم. ولكن في واقع عام 2026، ويبدو أن هذا المجلس الذي يترأسه محمد علي موحدي كرماني (92 عاماً)، قد أصبح مجرد واجهة لإضفاء الشرعية على قرارات تُتخذ في غرف الحرس الثوري المغلقة.
- ان تشير المحاكاة إلى أن خيار مجلس القيادة العسكري هو الأكثر احتمً في المرحلة الانتقالية الأولى. هذا المجلس قد يضع واجهة دينية ضعيفة (مثل آيات الله من الدرجة الثانية) لتمرير القرارات بينما تظل السلطة الفعلية في يد قادة مثل محمد باقپور (قائد القوات البرية) وعلي شمخاني.
وفي عام 2026، لم يعد السؤال هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيصنع القرار السياسي، بل هو كيف يمكننا إدارة هذا المستشار الرقمي لضمان دقة توقعاته؟ فإيران، بنظامها المغلق وتحولاتها العميقة، تظل المختبر الأكبر لهذه التقنيات، والنتائج تشيران: المستقبل في طهران للجنرالات.



