*
الاحد: 01 آذار 2026
  • 01 آذار 2026
  • 12:51
سماؤنا ليست ممرًا
الكاتب: عماد داود


الدول لا تموت بالهزيمة. تموت حين تعتاد أن تشرح!
حين تمر حرب الآخرين فوق رأسك للمرة الأولى تصرخ، وللمرة العاشرة تنظر إلى الأعلى كما تنظر إلى سقف تعرفه، أي لا تنظر إليه أصلًا! وهذه اللحظة بالذات، لحظة أن يصبح الانتهاك مشهدًا مألوفًا، هي اللحظة التي تتوقف فيها الدولة عن أن تكون دولة، وتبدأ في أن تكون مسافة بين طرفين!
الصاروخ لم يكن موجهًا نحو عمان. هذه حقيقة! لكن الحقائق في السياسة ليست ما جرى، بل ما يُسمح له أن يتكرر حتى يصبح طبيعيًا! وما يصبح طبيعيًا يصبح حقًا!وما يصبح حقًا يصبح قيدًا! والقيد لا يُعلَن، بل يُمارَس ببساطة حتى ينسى المقيَّد أنه كان يومًا يملك سقفًا!
السقف لا يُثبت وجوده حين تكون السماء صافية! بل يُثبت وجوده حين تتساقط عليه النار!
والدولة التي تسمح لسمائها بأن تتحول إلى ممر، لا تخسر الأعلى فحسب! بل تخسر الأسفل بصمت لا يسمعه أحد، حتى يصبح الخسارة كاملة!؛ لأن السقف الذي لا يُصان لا ينهار فجأة، بل ينسحب، حتى تكتشف ذات صباح أنك تعيش في الهواء الطلق وتسميه وطنًا!
الأردن في تلك اللحظات لم يعترض صاروخًا! بل أعاد تعريف نفسه أمام من أراد أن ينسى أن هناك تعريفًا!
الذين يعترضون على الاعتراض يملكون خوفًا لا حجة، وهذا الخوف مشروع: لماذا نتورط فيما لا يمسنا مباشرة؟ لكن السؤال الذي يتجنبونه أعمق وأخطر: ماذا يعني أن يمسّك شيء؟ هل السيادة أن تُصاب أولًا ثم تتحرك؟ أم أنها القدرة على تحديد الحد قبل أن يُحدَّد لك؟!
 الدولة التي تنتظر الجرح حتى تعرف حدودها تعرفها متأخرة! والمتأخر في السياسة لا يُعوِّض، بل يُفسِّر. والمفسِّر ليس صاحب السردية، بل خادمها!
غير أن ما يُقرأ في الداخل حمايةً يُقرأ في الخارج انحيازًا! وهنا تكشف الجغرافيا عن وجهها الأقسى! الأردن لا يقع بين دولتين، بل بين تفسيرين، وكل تفسير يريده ملحقًا لمشروع لم يختره!
الخطر الحقيقي ليس الصاروخ العابر، بل السردية الجاهزة التي تنتظر أي فعل لتُدرجه فيها!
 ولهذا فإن الدفاع عن السماء دفاع عن شيء أثمن من الأرض: حق تعريف الذات قبل أن يُعرِّفها غيرك! لأن الدولة التي تسمح لآخرين بتعريفها من سمائها المخترقة لا تحتاج عدوًا، بل تحتاج فقط وقتًا كافيًاحتى تسقط!
الأردن يعرف أنه ليس لاعبًا في هذه الحرب. لكنه يعرف أيضًا أنه ليس فراغًا بين لاعبين! والفرق بين الفراغ والدولة ليس في حجم الجيش، بل في لحظة واحدة لا تتكرر: حين يضغط الحدث، أين تضع وزنك؟! الفراغ يتشكل على هيئة ما يُصبّ فيه! والدولة تقاوم التشكّل! وهذه المقاومة ليست حيادًا باردًا ولا انخراطًا ساخنًا، بل هي النوع الأصعب من القرارات: أن تظل نفسك حين يريدك الجميع امتدادًا لهم!
ثمة خوفان مشروعان لا يصح إسكات أيٍّ منهما: خوف من الانزلاق نحو حرب لا ناقة للأردن فيها ولا جمل، وخوف من أن تصبح السماء ممرًا دائمًا يكتسبه غيرك بالتقادم! والفرق بين الموقفين ليس في النية، بل في تعريف الخطر: هل الخطر في الفعل الذي يوقف السابقة، أم في الصمت الذي يُرسّخها؟ وحين يُصبح الصمت سياسة، لا تعود الدولة تقرر، بل تشرح! والدولة التي تشرح كثيرًا تعلن بصمت أنها متأخرة عن الفعل!
الدول لا تُختبر حين تختار معاركها، بل تُختبر حين تُجبر على تحديد موقعها من معارك لم تخترها! وهذا الاختبار لا يعطيك وقتًا للتفكير الهادئ، بل يعطيك سؤالًا واحدًا لا يقبل التأجيل: ما الذي لا يمكنك التنازل عنه دون أن تصبح شيئًا آخر؟ من يعرف الجواب يفعل، ومن لا يعرفه يُفسِّر ما فعله سواه!
الاعتراض لم يكن موقفًا من الحرب، بل كان موقفًا من السقف! والفرق أبعد مما يبدو: الموقف من الحرب ينتهي بانتهائها، اما الموقف من السقف فيبقى ما بقيت سماء فوق أرض! ولهذا لا يُقاس القرار بما أسقطه، بل بما رفض أن يسمح له بأن يصبح عادة؛ لأن العادات في السياسة أخطر من المعاهدات! المعاهدة توقيع يُنقض، اما العادة فذاكرة جماعية لا تُمحى، بل تتراكم طبقة فوق طبقة حتى تصبح هي الواقع، والواقع هو الأصعب في تغييره لأنه لا يبدو بحاجة إلى تغيير!
لا يُقاس القرار بكم صاروخ أُسقط، بل بكم تعريف أُعيد تثبيته!
 السيادة ليست ما تملكه حين يكون الجميع هادئًا! السيادة ما تحمله حين لا يريد أحد أن تحمله!
 وحين تحمله أمام من يريدك أن تتركه على الأرض، لا تكون قد أعلنت موقفًا، بل أعلنت شيئًا أثقل وأبقى: أنك لا تزال تُعرِّف نفسك، وأن هذا التعريف لم يُباع ولم يُستأجر ولم يمر تحته أحد دون إذن!
الدولة التي تحمي سماءها تحمي سرديتها. والدولة التي تحمي سرديتها تحمي مستقبلها! والدولة التي تركت سماءها تتحول إلى ممر لم تخسر الأعلى وحده، بل خسرت اللحظة التي كان فيها لا يزال ممكنًا أن تقول لا!
ويبقى السؤال مفتوحًا كسقف بلا جدران: في زمن تُغتال فيه الدول من فوقها قبل أن تُهزم من أمامها، من يملك الجرأة الهادئة، لا الصاخبة، أن يقول إن ما فوق رأسه ليس فضاءً مشاعًا لحروب الآخرين؟
من لا يقول ذلك اليوم لن يحتاج لقوله غدًا!
لأن الغد في هذه المنطقة لا ينتظر من يفكر بصوت عال!

مواضيع قد تعجبك